web site counter

الجالية الإفريقية في القدس.. رباط وصمود منذ قرون

في الطريق إلى المسجد الأقصى من خلال باب المجلس، تنتشر مجموعة من المنازل التي يسكنها المقدسون تختلف ملامحهم وأصولهم عن المقدسيين الفلسطينيين وتميزهم دكانة لون بشرتهم وأسماء عائلاتهم التي يحملوها، وطريقة حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم أيضا.

إنهم أفراد الجالية الإفريقية الذين لا يتجاوز عددهم 450 مقدسيا ويسكنون في تلك المنطقة التي اكتسبت من أصولهم اسما لها أيضا "حي الجالية الإفريقية".
 
ويعيش الأفارقة المقدسين داخل "رباطين قديمين" يواجه واحدهما الأخر، يقعان أمام مدخل باب الناظر، المدخل الرئيسي للحرم القدسي الشريف، ويفصل بينهما شارع علاء الدين البصيري.
 
قبل الانتداب..
وبحسب الرواية التاريخية فإن هذان الرباطان خصصا قديما لإيواء الحجاج المسلمين الوافدين إلى القدس لنيل لقب "حج مقدسي" الذي يوفِّر لحامله مكانةً رفيعةً مرموقةً في المجتمع الديني.
 
واستمرّ هذان الرباطان في تأدية هذه المهمة حتى الحقبة العثمانية (1516 - 1918)، حينما سكنها الأفارقة المقدسيون الذين أطلق عليهم أيضا اسم "المجاورين" لمجاورتهم المسجد الأقصى، وعملوا في حراسة الأماكن المقدسة.
 
ومع بسط هيمنة الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1918، وإحاله المسؤولية عن الأماكن المقدسة إلى الأوقاف الإسلامية، أعادت الأوقاف تسكين الحجاج المسلمين وبخاصة الأفارقة فيه.
 
وقد أخذت إقامة الأفارقة المقدسيين في هذين المبنيين طابع الديمومة بعد أن قام "الشيخ أمين الحسيني"، بتأجير الرباطين لهم بأجور سنوية رمزية.
 
مقدسيون..
وتحدَّث رئيس جمعية الجالية الإفريقية في البلدة القديمة ياسر قوس "لصفا" عن جذور هذه الجالية وأصولها التي تعود إلى الجزيرة العربية التي هاجروا منها عبر قوافل التجار المسلمين، لافتا إلى أنهم ينحدرون من عدة دول إفريقية مثل تشاد، السودان، نيجيريا والسنغال وغيرها، ويعرفون في فلسطين باسم "الجالية الإفريقية المقدسية".
 
ويؤكد قوس أن اختيار الجالية الإفريقية العيش في محيط الأقصى كان من منطلقات دينية وعقائدية للحفاظ عليه والرابط فيه، الأمر الذي ظهر في صمودهم ودفاعهم عن الأقصى خلال الحروب والانتفاضات التي خاضها الفلسطينيون.
 
فمن زمن الانتداب وحتى الأحداث الأخيرة في محيط الأقصى في أكتوبر/ تشرين أول الماضي طال أبناء الجالية الإفريقية ما طال المقدسيين الفلسطينيين من اعتقال وقتل وتشريد وهدم منازل وترهيب وإبعاد.
 
وتبلع نسبة من اعتقلوا من أبناء الجالية من كلا الجنسين (80%) من إجمالي عدد أبناء الجالية الإفريقية، قضوا أحكاما تتراوح ما بين شهر إلى (18) عاما خلف القضبان.
 
وأشار قوس إلى أن هذه الحروب والانتفاضات التي خاضها أبناء الجالية مع أبناء عقيدتهم الفلسطينيين شتتت قسما لا يستهان به منهم لينتهي بهم المطاف في مخيمات اللجوء الفلسطينية في الدول العربية.
 
هذا التشتت أدى إلى انخفاض حجم الجالية الإفريقية المتواجدة في المدينة المقدسة إلى أكثر من الربع، كما يقول قوس، حيث يبلغ تعدادهم الآن أكثر من 450 فردا فقط.
 
الوضع الاقتصادي
ولا تختلف الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها الأفارقة المقدسيون، عن حال بقية المقدسين نتيجة لسياسات الاحتلال، حيث تصل نسبة الفقر بين العائلات المقدسية إلى 66.8% و 74% وسط الأطفال منهم.
 
هذا الوضع المأساوي، دفع العديد من أبناء الجالية الإفريقية إلى ترك الدراسة واللجوء إلى العمل لتحسين ظروفهم الاقتصادية السيئة.
 
ويشير قوس هنا إلى أنه وبالرغم من ذلك، فإن من حالفه الحظ بالتعليم وصل إلى درجات عالية من الثقافة والعلم، حيث يتحدث 99 % من أبناء الجالية لغتين على الأقل إضافة إلى اللغة العربية.
 
وينوّه قوس إلى أمر خطير جدا، على حد وصفه، وهو أن أبناء الجالية لا يحملون أية جوازات تتيح لهم السفر، فالحكومة الأردنية لا تعترف بهم كمواطنين أردنيين، كباقي المقدسيين، وفي الوقت نفسه محرومون من جوازات السفر الفلسطينية كما كل المقدسيين بحسب اتفاقات أوسلو، وبالتالي لم يكن لديهم خيار سوى قبول وثائق السفر الإسرائيلية.
 
وبحسب قوس، يساهم هذا الوضع في قطع أوصالهم عن محيطهم العربي، حيث يعيش قسم من عائلاتهم في مخيمات الشتات، ولا يستطيع أبناء الجالية في القدس زيارتهم، أو زيارة بلاد الجذور في القارة السوداء، وبخاصة تلك التي لا تربطها علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل".
 
الجالية المنسية..
ورغم هذه الظروف إلا أن أبناء الجالية الإفريقية استطاعوا الحفاظ على طابعهم الخاص، وفي نفس الوقت التأكيد على "مقدسيتهم" بمواصلة الرباط في القدس ومحيط الحرم الشريف، رغم النسيان والإهمال الذي يعيشونه.
 
ويقول أبو قوس: "حي الأفارقة، القلعة الصامدة أمام كل التهديدات والإغراءات، هي قلعة منسية، أكل الزمن عليها وشرب لا يلتفت إليها بالدعم والإسناد المعنوي والمادي، لتستمر في صمودها".
 
هذا الإهمال لم يمنع الجالية من مواصلة دورها الذي خطه الأجداد، ولازالوا يشكلوا السد المنيع للدفاع عن الأقصى انطلاقا من إيمانهم الكبير بأنه آخر القلاع العربية الإسلامية في المدينة.

/ تعليق عبر الفيس بوك