يفاجأ الفلاحون الفلسطينيون في مدينة نابلس بتصاعد ألسنة اللهب من حقولهم بفعل ممارسات المستعمرين اليهود، لتأكل الأخضر واليابس، وتبدد فرحتهم التي أمضوا أشهراً من التعب والعناء والكد وهم ينتظرون ثمرة حصادهم.
وأمام تصاعد هجمات المستعمرين وازدياد وتيرة بناء المستعمرات وتوسيعها، فإن أهالي قرى نابلس هم أكبر المتضررين كونها تتميز عن غيرها من مدن الضفة الغربية المحتلة بالكم الهائل من المستعمرات التي تجاوز عددها 39 مستعمرة، يُضاف إليها 17 بؤرة استيطانية، ويقطنها أكثر من 22 ألف مستعمر.
وغير ذلك فإن قاطني مستعمرات نابلس، وخاصة "يتصهار، وألون موريه، وبراخا"، معروف عنهم أنهم من غلاة المستعمرين وأشدهم تطرفاً وتعصباً، حتى أنه قد وصل بهم الحال العام الماضي إلى إطلاق صواريخ محلية الصنع تجاه بعض القرى الفلسطينية الواقعة إلى الغرب من نابلس.
ويقول غسان دغلس مسئول ملف الاستيطان شمال الضفة :" إن المستعمرين يطورون يوماً بعد يوم من أساليبهم في مهاجمة المواطنين الفلسطينيين، وتتنوع الأساليب بين حرق المحاصيل الزراعية، وقطع الأشجار، ومهاجمة سيارات الفلسطينيين بالحجارة، وإغلاق الطرق، وإطلاق النار صوب المواطنين وممتلكاتهم".
ويضيف "المستعمرون يستخدمون حالياً تكتيكاً جديداً في هجماتهم بحيث يقومون بإشعال النار في منطقة معينة، وبمجرد التأكد من تحرك سيارات الدفاع المدني والإطفاء إليها يشعلون النار في منطقة أخرى بهدف إرباك أطقم الإطفاء".
ويؤكد دغلس أن بناء المستعمرات وتوسيعها في الضفة الغربية بشكل عام وفي منطقة نابلس بشكل خاص لم يتوقف في ظل الحكومات الإسرائيلية السابقة، لكنه يستدرك بأن حكومة نتنياهو الحالية تتميز عن سابقاتها بصراحتها، كونها تضم 10 أعضاء كنيست من سكان مستعمرات الضفة الغربية.
عوريف تحت المعاناة
ولا شك أن بلدة عوريف جنوب غرب نابلس تعاني الأمرين جراء تكرار هجمات مستعمري "يتسهار"، ويؤكد الحاج أبو عمار رئيس مجلس قروي عوريف أن هذه الاعتداءات تتم بشكل منظم ومتنوع، كحرق المحاصيل الزراعية، وإطلاق النار على بيوت أهالي القرية وخزانات المياه، ومصادرة الأغنام بعد مهاجمة الرعاة.
ويروي أبو عمار تفاصيل ما جرى في نيسان/أبريل الماضي، عندما هاجم أكثر من 30 مستعمراً بينهم حوالي 6 مستعمرين مقنعين بأقنعة سوداء المزارعين الفلسطينيين في حقولهم الزراعية على أطراف القرية، مما أدى إلى إصابة 14 فلسطينياً بجراح مختلفة تم نقل معظمهم إلى مستشفيات نابلس جراء إصابتهم بالرصاص الحي والمطاطي.
وفيما يتعلق بخسائر المواطنين التي لحقت بهم جراء اعتداءات المستعمرين منذ بداية الصيف الحالي، يقول أبو عمار لـ"صفا" : "أحصينا حتى الآن إحراق
خسائر باهظة
وكذلك الحال في بلدة بورين المجاورة، حيث يؤكد الحاج علي عيد رئيس مجلس قروي بورين أن اعتداءات المستعمرين المتكررة على القرى الفلسطينية وعربدتهم اللامتناهية، إنما تهدف إلى إجبار المزارعين الفلسطينيين على ترك أراضيهم ومن ثم يسهل الاستيلاء عليها.
ويلفت عيد إلى أن خسائر أهالي بلدة بورين جراء اعتداءات المستعمرين كانت في العام الماضي باهظة جداً، حيث يقول: "في العام الماضي دمر المستعمرون بشكل كامل أكثر من 3500 شجرة زيتون، منها ألف شجرة معمرة، وقاموا بتسميم أكثر من 25 ماشية، وقتلوا وسرقوا أكثر من 10 خيول".
وأما في هذا الصيف فإن المستعمرين أحرقوا مطلع الشهر الماضي أكثر من
ويبدي كل من "أبو عمار" و"عيد" خشيتهما من المستقبل المجهول، حيث يؤكدان أن المزارعين يضطرون في كثير من الأحيان إلى النوم في أراضيهم كي يحرسونها في ساعات الليل، خاصة وأن المزارع يعتمد بصورة أساسية في رزقه لطوال العام على خراج هذه الأرض.
ويرى دغلس أن الحل الأمثل حالياً لمواجهة الهجمة الاستعمارية، يقع على عاتق السلطة الفلسطينية التي يجب عليها بالإضافة إلى وقف المفاوضات أن تدعم المشاريع التي تعزز صمود المزارع الفلسطيني كشق الطرق، وتعويض المزارعين المتضررين، وتغطية نفقات المحامين أمام المحاكم الإسرائيلية.
ويضيف " إلى حد ما خطوات السلطة الفلسطينية في مجابهة الاستعمار غير كافية، وعليها أن تتطلع بصورة أكبر تجاه القرى المهددة، وأن تقوم بتوفير ميزانية خاصة لكل ما من شأنه أن يحد من الاستيطان ويدعم المواطن الفلسطيني".
تقصير وإهمال
وأما الحاج "علي عيد" فإنه يوجه انتقادات شديدة للسلطة بسبب إهمالها وتقصيرها، حيث يقول: "لا يوجد في السلطة الفلسطينية شيء أسمه مواجهة الاستعمار، لا على صعيد وزارة ولا حتى كدائرة تعنى بهذه المسألة رغم أهميتها".
ويضرب "عيد" مثالاً على إهمال السلطة وتقصيرها في دعم القرى المهددة بالاستعمار، حيث يتحدث عن موقف جرى معه قبل فترة حين توجه إلى وزارة الأشغال في رام الله من أجل طلب مساعدتها في فتح طرق زراعية وإقامة عدد من المشاريع التي تعزز صمود المواطن.
ورغم كل الاعتداءات والهجمات الاستعمارية ومعاناة المواطنين وخسائرهم المتواصلة، إلا أن ذلك كله لم يؤثر على إرادة الصمود والتحدي والانغراس في أرض الآباء والأجداد، وهذا ما أكده "عيد" في ختام كلامه، حين قال "سنبقى ثابتين في أرضنا، ولن نتزحزح عنها أو نفرط بها، وسندافع عنها بكل ما أوتينا من قوة مهما قدمنا من تضحيات".
ويختم أبو عمار كلامه بشكر المؤسسات الحقوقية التي تقف إلى جانبهم في معاناتهم، ثم يقول "عوريف عاشت ولا زالت تعيش هجمات رهيبة وممنهجة بفعل اعتداءات قطعان المستوطنين، لكن رغم كل هذه المعاناة سنبقى صامدين على أرضنا مهما قدمنا من تضحيات".
