ينتظر العالقون الفلسطينيون في قطاع غزة بفارغ الصبر من ينقل لهم بشرى فتح معبر رفح البري لينتهي مسلسل معاناة ومأساة مؤلمة امتدت لفترة طويلة، وليتمكنوا من السفر إما للعلاج أو العودة لمكان إقامتهم في البلدان العربية أو الأجنبية أو حتى إكمال دراستهم الجامعية التي باتت على وشك الانهيار.
وتتفاقم معاناة العالقين يوماً بعد يوم منذ فرض الحصار على القطاع وإغلاق المعابر قبل أربع سنوات وخاصة معبر رفح المتنفس الوحيد لسكان القطاع، حيث تفتح السلطات المصرية بين الفينة والأخرى المعبر لأيام معدودة يسمح خلالها لعدد محدود من المرضى والطلبة وأصحاب الإقامات بالمغادرة.
ويتطلع حوالي 7 آلاف عالق تقطَّعت بهم السبل بين غزة وخارجها إلى إنهاء فصول معاناتهم التي صنعتها ظروف الحصار وإغلاق المعابر، آملين بأن تحمل لهم الأيام القادمة بشرى خير تطوي صفحة الألم والمعاناة.
بفارغ الصبر
الطالبة سارة عامر (19عاماً) قالت وعلامات الحزن تبدو في نبرات صوتها: "قدمت من السويد إلى غزة في عام 2007 من دون أهلي، كي أتمكن من الحصول على شهادة الثانوية العامة، وبعد حصولي على الشهادة أردت الالتحاق بالجامعة لتحقيق الحلم الذي يراودني منذ الصغر في إكمال دراستي".
وأضافت عامر "في شهر يوليو الماضي باشر والدي بتسجيلي بجامعة 6 أكتوبر في مصر وحجز لي مقعداً، ودفع الرسوم الدراسية لدراسة تخصص اقتصاد وعلوم سياسية، ولكنني تفاجأت باستمرار إغلاق معبر رفح وعدم تمكني من السفر لمتابعة دراستي في الجامعة أو حتى رؤية أهلي المحرومة منهم منذ عامين".
وتابعت "لقد سجّلت كافة بياناتي في وزارة الداخلية بغزة الشهر الماضي وحصلت على رقم الباص 34، حيث كنت أنتظر الخروج بفارغ الصبر عبر المعبر حين تم فتحه المرة الماضية، ولكن بطء الحركة والعمل على المعبر لم يمكني من السفر".
وتتخوَّف عامر من إقدام إدارة الجامعة على فصلها في حال تأخرت عن الدراسة لمدة طويلة، خاصة أنها فقدت الفصل الدراسي الأول وأن امتحاناته باتت على الأبواب مما يهدد مستقبلها الجامعي".
وطالبت كافة الجهات المعنية والمسئولين بالتدخل العاجل لإنهاء معاناة العالقين في غزة بما فيهم الطلبة، والعمل على فتح معبر رفح بشكل فوري، معربة عن أملها في أن يتم فتح المعبر خلال الأيام المقبلة وتتمكن من السفر لإكمال دراستها.
لا وعود بفتحه
من جهته، قال الناطق باسم وزارة الداخلية في غزة إيهاب الغصين: "إن الاتصالات مع الجانب المصري بخصوص فتح معبر رفح البري ما تزال مستمرة، في حين لا يوجد حتى اللحظة أي وعود أو مؤشرات بهذا الشأن".
وأوضح الغصين لـ"صفا" أن هيئة المعابر في القطاع تواصل اتصالاتها بشكل مكثف مع المصريين بهدف العمل على فتح المعبر أمام الحالات الإنسانية من المرضى والطلبة وأصحاب الإقامات والتخفيف من معاناتهم التي تزداد مع استمرار إغلاقه منذ أكثر من 50 يوماً.
وتفتح السلطات المصرية بين الفينة والأخرى معبر رفح لسفر الطلاب والعالقين والمرضى، فيما ترفض فتحه بشكل كامل إلا وفق اتفاقية المعابر 2005.
وأشار الناطق باسم الداخلية إلى أن عدد المسجلين في الوزارة فاق 7 آلاف شخص، حيث أغلقت الوزارة باب التسجيل أمام المواطنين الذين يرغبون في السفر، معرباً عن أمله في أن تسمح السلطات المصرية بفتح المعبر قريباً كي يتمكن عدد كبير من المواطنين من المغادرة.
وبيَّن أن حوالي 83 شخصاً من أصحاب التنسيقات المصرية الذين أرسلت مصر أسماءهم للوزارة غادروا قبل أسبوعين القطاع عبر معبر رفح، مطالباً مصر بالعمل الفوري على فتح المعبر وتسهيل حركة المسافرين.
حجر عثرة
ولم تكن معاناة الطالب أحمد يونس (23عاماً) بالمغايرة عن سابقته، فاستمرار إغلاق معبر رفح وعدم تمكنه من السفر لمواصلة مشواره الجامعي الذي بدأه في غزة يقف حجر عثرة أمام تحقيق حلم عمره.
وقال يونس باستياء شديد: "لقد أثَّر الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع وإغلاق المعابر وخاصة معبر رفح بشكل كبير على الطلبة العالقين خصوصاً وعلى المرضى وأصحاب الإقامات عموماً، والذين باتوا ينتظرون على أحر من الجمر فتح المعبر، كي يتمكَّنوا من السفر وإنهاء معاناتهم المتفاقمة".
وأضاف "حصلت على الدبلوم في فنون الإذاعة والتليفزيون "تخصص مونتاج" من جامعة الأقصى بغزة، وكان لديَّ رغبة في الحصول على درجة البكالوريوس في هذا التخصص، ونظراً لعدم وجوده في جامعات القطاع لجأت إلى دراسته في الجامعات المصرية".
وتابع "في شهر أغسطس الماضي سجلت بجامعة سيناء المصرية ودفعت الرسوم الدراسية للفصل الأول، ومنذ ذلك الحين وأنا أنتظر فتح المعبر كي أتمكن من الالتحاق بالجامعة وإكمال الفصل الدراسي، ولكن الحال بقي على حاله ليومنا هذا".
وتساءل يونس "متى ستنتهي معاناتنا، وما ذنبنا كي يضيع مستقبلنا الجامعي هباءً، أما آن الأوان كي تنتهي هذه المعاناة وأن يوضع لها حداً وإلا سنفقد حقنا في التعليم"، مناشداً مصر بفتح المعبر بشكل عاجل وتمكين كافة الطلبة والعالقين من السفر وحل مشاكلهم.
انتظار ممزوج بالمعاناة
"تتنقل من محطة إلى أخرى ومن إذاعة إلى أخرى علَّها تشاهد أو تسمع خبراً يبشرها بفتح المعبر قريباً، حيث بات همها الوحيد هو فتح المعبر والعودة إلى المملكة العربية السعودية مكان إقامتها منذ أن تزوجت قبل ثلاثين عاماً".
هذا هو حال الحاجة أم فادي قديح (50عاماً) والتي قالت بحزن شديد: "جئت من السعودية إلى غزة في بداية أغسطس الماضي كي أرى أهلي المحرومة من رؤيتهم منذ حوالي عشر سنوات، ولم أكن أتوقع بأن زيارتي ستطول لخمسة أشهر بسبب إغلاق معبر رفح وعدم تمكني من السفر".
وأكملت "طرقت كل الأبواب وسجلت بياناتي في وزارة الداخلية بغزة وفي كافة الأماكن من أجل السفر إلى السعودية وذهبت مرات عديدة إلى المعبر، ولكن حتى اللحظة الأوضاع على حالها"، مشيرة إلى أن تذكرة الخروج والعودة الخاصة بها ستنتهي الشهر المقبل.
وتخشى قديح بعد هذا الانتظار الممزوج بألوان المعاناة من انتهاء إقامتها وحرمانها من رؤية ابنها الوحيد في السعودية، مطالبة المسؤولين المصريين بالعمل على فتح المعبر كي تتمكن من السفر إلى السعودية قبل انتهاء إقامتها.
وأشارت إلى أنها تتابع بشغف وفي كل ساعة نشرات الأخبار في المحطات المحلية والعربية كي تعثر على خبر فتح المعبر، ولكن دون جدوى، داعية الله بأن يفرج كربها هي وكافة العالقين.
أما الطالبة مروة ديب فتأمل أن يفتح معبر رفح بشكل عاجل لتتمكن وعائلتها المكونة من ستة أفراد العودة لمنزلهم في العاصمة السعودية الرياض والالتحاق بمقاعد الدراسة التي شارفت على نهاية الفصل الدراسي الأول.
وطالبت مروة (16 عاماً) في حديثها لـ"صفا" المسئولين وخاصة الوزير عمر سليمان مدير المخابرات العامة المصرية بالتدخل العاجل لإنهاء أزمة عشرات العائلات العالقة في قطاع غزة، وتمكينهم من الالتحاق بمقاعد الدراسة وأعمالهم في الخارج.
