تفاجأ مصطافو شاطئ بحر خان يونس جنوب قطاع غزة هذا الموسم بـ"زائر" غير مرحب به، نغَّص عليهم متعة السباحة والاستراحة على شاطئهم المفضل، وأزكم أنوفهم برائحته النتنة.
الزائر هو مياه الصرف الصحي التي باتت بلدية خان يونس منذ عدة أيام تسحبها من محطة المعالجة وتفرغها في منطقة استراحة "واعد" على الشاطئ، كأفضل الخيارات السيئة التي لجأت إليها البلدية لحماية المدينة من الغرق بتلك المياه.
ويمتاز شاطئ مدينة خان يونس بجماله ونظافته وخلوه - في الماضي - من تصريف مياه الصرف الصحي، الأمر الذي يجذب آلاف المواطنين للتمتع بهذه المنطقة، هربا من مناطق أخرى على شاطئ قطاع غزة تعاني من مشكلة "المجاري".
المسئول الإداري باستراحة وكافتيريا "واعد" فخري الحلو جلس على كرسيه قرب خط الأنابيب لمشروع تصريف المياه وفوق رأسه لافتة كتب عليها "يرجى عدم السباحة في هذه المنطقة".
استياء المصطافين
وأوضح الحلو أنه تم الاتفاق مع بلدية خان يونس ومصلحة مياه بلديات الساحل على ضخ مياه الصرف الصحي من الساعة الثانية عشر ليلاً وحتى الساعة الخامسة فجراً، إلا أنه في بعض الأحيان يستمر تصريف المياه حتى العاشرة صباحاً.
وقال بنبرة ممتعضة لـ"صفا": إن "العديد من المصطافين والمشاركين في الرحلات الترفيهية غادروا المكان فوراً بسبب رائحة المجاري، وما شاهدوه من رغوة ومخلفات، وهذا أثر بشكل سلبي على دخل الاستراحة والكافتيريا".
وأكد الحلو أنه كان الأفضل لو تم تأجيل تصريف المياه إلى فصل الشتاء، حتى لا يؤثر على موسم السباحة والترفيه على شاطئ البحر، مطالباً البلدية ومصلحة مياه الساحل بالالتزام بالموعد الذي تم الاتفاق عليه، وهي المدة التي يتم فيها تصريف المياه، حتى لا تؤثر على المنطقة.
المنقذ البحري مدحت اللحام يعمل في نفس المنطقة واستطاع أن ينقذ خمسة وعشرين مواطناً من الغرق خلال أسبوع، أكد لـ"صفا" أن مياه الصرف الصحي أثرت بشكل كبير على من يقوم بالسباحة، مشيراً إلى أن المجاري تؤثر على الغرقى وتزيد من خطورة تعرضهم للموت.
وقال اللحام وهو يشير إلى مجموعة من المواطنين تسبح في المنطقة: "الناس تحتاج إلى توعية، فهم يعرفون بوجود المجاري حيث توجد لافتة مكتوب عليها لا يسمح بالسباحة في هذه المنطقة، كما يوجد إشارة سوداء وأخرى حمراء".
تلوث مياه البحر
وأضاف اللحام "التلوث يظهر واضحاً جداً في كثير من الأحيان، وقد يصل لمسافة كيلو متر إذا كان موج البحر عالياً، كما تظهر قاذورات وبعض المخلفات على الشاطئ".
في نفس المنطقة وقف المواطن إبراهيم الأسطل أمام خيمة استأجرها، وبداخلها أفراد عائلته وقد اعتاد على السباحة في هذه المنطقة برفقة عائلته، حيث يعدُّها أفضل وأهدأ وأنسب منطقة للعائلات.
لكن الأسطل قال لـ"صفا": منذ أسبوع تقريبا ومع بدء تصريف المجاري هنا، "أصبح يخشى النزول للمياه، ويمنع أبناءه من الدخول فيها"، مقترحاً أن يتم نقل المشروع إلى أي منطقة أخرى خالية من الاستراحات وبعيدا عن أماكن السباحة.
من جانبه قال رئيس بلدية خان يونس محمد الفرا: "حاولنا وبذلنا أقصى جهدنا ألا نتوجه إلى البحر هذا العام، ولكن فوجئنا أن أحواض محطة المعالجة ارتفع فيها منسوب المياه، إلى درجة قد تسبب خطر انهيارها وينتج عنها مشاكل كارثية على جيران المحطة".
وأضاف الفرا في مقابلة مع "صفا": اضطررنا لضخ مياه الصرف الصحي لمدة ثلاثة أيام بالأسبوع ليلا، حتى الساعة الخامسة فجرا، فتكون هذه الكميات اختلطت بمياه البحر ولا ينتج عنها أي تأثير سيء على المصطافين.
البلدية تفحص
وحول تأثير هذه العملية على حالة الاصطياف للمواطنين في تلك المنطقة قال رئيس البلدية: "الأسبوع الفائت كان بداية العملية، ولدينا تعليمات بعدم ضخ المياه فجر الخميس والجمعة والسبت، وهي الأيام التي يكون فيها الازدحام شديداً على الشاطئ.
وتابع الفرا قائلاً: "هذه المياه التي يتم تصريفها تمكث في الحوض الأول من محطة المعالجة لمدة أسبوعين، وكذلك الحوض الثاني، بينما الحوض الثالث والرابع لكل منهما أسبوع، بالتالي يمكن القول أن نسبة المعالجة للمياه تقترب من 50% ويتم التخلص من نسبة كبيرة من الشوائب".
لكنه استدرك قائلاً: "ذهبنا إلى البحر وكلنا حزن، ولسنا سعداء لهذا الخيار، ولكن انعدام البدائل، والخوف من انهيار الأحواض هو الذي دفعنا لذلك".
وعن الخيارات البديلة أوضح أن البلدية تقوم هذه الأيام بالتفكير مع وزارة الزراعة من أجل أن يتم استغلال مياه الصرف الصحي التي تخرج من الحوض الرابع بحيث نقوم بزراعة محمية طبيعية أو ري أشجار النخيل، أو أي خيار آخر بحيث ألا نذهب للبحر العام القادم".
وأشار الفرا إلى أن شاطئ خان يونس يمتد لمسافة تسعة كيلومتر وكله صالح للاصطياف، مبيناً ان البلدية أرسلت عينة من مياه الصرف الصحي للمختبر لفحص مدى صحية السباحة فيها.
ونصح رئيس بلدية خان يونس مبدئياً أنه ما دون الخميس والجمعة والسبت يفضل الابتعاد عن المكب 100 متر شمالا و100 متر جنوبا، لتجنب أي ضرر قد ينتج عن السباحة في تلك المنطقة.
أفضل الخيارات السيئة
وأعرب عن أمله في الوصول إلى حل بالتعاون مع وزارة الزراعة من أجل استغلال مياه الصرف الصحي، وقال: "نحن بحاجة لأربع سنوات إلى أن يتم تجهيز محطة المعالجة الدائمة باتجاه منطقة الفخاري شرق المدينة".
ودعا أبو شمالة المواطنين للتقليل من استخدام المياه، ومراقبة أبنائنا وهم يستعملون المياه، وتوعية أهلنا بضرورة ترشيد المياه، وتقليص مياه الصرف الصحي.
وقال: "لدينا سبعة آلاف كوب يوميا تستهلك في المدينة، وإذا استمر السكان الضخ بغزارة واستهتار، فإننا جميعا سنكون في مشكلة كبيرة.. فإما تنهار الأحواض وإما تعود مياه الصرف الصحي إلى المناهل ويسير الناس في شوارع خان يونس وأقدامهم تغرق فيها".
