web site counter

عائلة العاروري تحيي أملا ًمدفوناً منذ ثلاثة عقود

"نحاول الآن أن نختزل 34 عاماً من الحزن والألم في نصف ساعة من الفرح والراحة النفسية، هي لحظات تسليم جثمان شقيقي مشهور التي ننتظرها قريبا".
 
هكذا اختار ربحي العاروري أن يصف ما تشعر به عائلته تجاه قرار الاحتلال بتسليم جثمان شقيقه الشهيد مشهور طلب صالح (21 عاما) بعد احتجازها منذ عام 1976.
 
وليس قرار الاحتلال الأخير إلا نتيجة عناء طويل أنهك عائلة الشهيد في محاولة الحصول على جثمانه أو حتى إلقاء نظرة الوداع عليه مرة واحدة والصلاة عليه قبل دفنه كما تستوجب الكرامة الإنسانية وتعاليم الدين الإسلامي.
 
وجثمان "مشهور" واحد من مئات الجثامين التي تعود لشهداء فلسطينيين تحتفظ بهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي فيما يعرف بمقابر الأرقام، وهم في غالبيتهم ممن نفذوا عمليات فدائية خلال سنوات الثورة والانتفاضة الفلسطينية.
 
سافر ولم يعد..
ويوضح شقيق الشهيد أن مشهور حزم أمتعته في بداية عام 1975 وقصد السفر إلى خارج فلسطين المحتلة دون أن تعلم عائلته ما الذي كان يهدف إليه، مبيناً أنها لم تكن على علم أيضاً بانتمائه إلى مقاتلي الثورة الفلسطينية آنذاك وتنفيذه عدة عمليات سرية أثناء تواجده في قريته عارورة شمال غرب مدينة رام الله.
 
ويقول ربحي :" إن مشهور سافر أكثر من مرة إلى خارج فلسطين ولكنه كان يعود بعد فترات قصيرة، ثم سافر إلى سوريا حسب قوله آخر مرة ولم تره العائلة بعد ذلك"، لافتاً إلى أن العديد من أبناء القرية كانوا يسافرون إلى الخارج لإكمال تعليمهم أو البحث عن عمل، الأمر الذي لم يدع مجالاً للخوف.
 
ويضيف:" رأينا مشهور آخر مرة في اليوم الذي سافر فيه، حيث ودّعنا وقال إنه سيتوجه إلى خارج فلسطين ولم يتحدث عن سبب معين لسفره، ونحن لم ندقق كثيراً على هذا الأمر ظناً منا أنه سيعود بعد فترة قصيرة كعادته..".
 
قاتل واستشهد
وبعد أكثر من سنة على انقطاع الاتصالات بين الشهيد وعائلته، كان الشهيد يتسلل عبر الحدود الأردنية إلى منطقة غور الأردن مع مجموعة من المقاتلين الفلسطينيين حيث اشتبكوا مع قوة إسرائيلية بالقرب من قرية الجفتلك في الأغوار، ثم استشهد مشهور بعد إصابته في الموقع نفسه.
 
وحتى بعد استشهاده، استغرقت العائلة في بحث متواصل عن ابنها بعيدا عن "ظنون المقاومة والشهادة في الوطن"، حيث توجهت اهتمامات الفلسطينيين آنذاك نحو الحرب الأهلية اللبنانية ومذبحة تل الزعتر، فيما لم يتوفر أي شكل للاتصالات في حينه.
 
ويتابع شقيق الشهيد:" لم نعلم بخبر استشهاده إلا بعد فترة طويلة من خلال المراسلات مع الأقارب في الخارج، وإقامة مراسم تشييع رمزية له لدى أقاربنا في أوروبا وسوريا، ثم علمنا فيما بعد أن الاشتباك الذي خاضه مشهور استمر ليلة كاملة وأن العملية لم يحدث لها مثيل في تلك المنطقة".
 
معركة المطالبة بالجثمان
ومنذ أن علمت العائلة باستشهاد ابنها بدأت محاولات استرداد جثمانه عبر مطالبة سلطات الاحتلال بها والمشاركة في الحملة الوطنية لاسترداد الجثامين والبحث عن المفقودين، واللجوء إلى المراكز الحقوقية و منظمة الصليب الأحمر الدولي للمساعدة في ذلك.. لكنّ كل المحاولات كانت تُقابَل بالرفض من قبل الاحتلال.
 
ويصف ربحي شعور والديه خلال 34 عاماً من الخوض في معركة المطالبة بجثمان ابنها، فيقول:" شعور الأهل بالقهر والحسرة الدائمة وكأنهم في حالة فقدان لا نهاية لها، وكل همهم أن يدفن ابنهم في مقبرة القرية أسوة بجميع الشهداء".
 
وعن قرار سلطات الاحتلال الأخير بالموافقة على تسليم جثمان مشهور، يوضح شقيقه أن العائلة وعبر مركز القدس للمساعدات القانونية قدمت التماساً لمحكمة الاحتلال العليا مطالبة باسترداد الجثمان الذي اعترف الاحتلال بوجوده.
 
وتلا ذلك التماس آخر للسماح للعائلة بزيارة القبر والصلاة عليه بشكل دوري، ولكن قيادة جيش الاحتلال أبدت استعدادها لتسليم الجثمان مقابل إيقاف الالتماس الأخير.
 
ويضيف:" حددت مذكرة قائد جيش الاحتلال أنه وخلال أيام قليلة سيهاتف محامي العائلة لترتيب إجراءات تسليم الجثمان، ونحن بذلك نحقق مطلبنا الذي بقينا عقود طويلة نجتهد من أجله..".
 
والآن يعيش أشقاء مشهور (سبعة أخوة وأختين) ووالد ثمانيني ووالدة في الخامسة والسبعين من عمرها، بانتظار رؤية جثمان ولدها وتقبيله وإكرامه بالدفن وزيارة قبره كل حين..
 
270 جثماناً ومفقوداً
وحسب مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، فإن عدد جثامين الشهداء الفلسطينيين المحتجزة فيما يعرف بمقابر الأرقام لدى الاحتلال الإسرائيلي بالإضافة إلى قائمة من الشباب المفقودين وصل إلى 270 اسما، ومنهم من لم يُعرف له أثر منذ حرب عام 1967.
 
وفي مسح أجراه المركز، تبين أن 90% من الأسماء هي لشهداء احتجز الاحتلال جثامينهم منذ بداية انتفاضة الأقصى، ويماطل في الرد على مطالبات تسليمهم إلى عائلاتهم التي تحاول استردادهم منذ استشهادهم.

/ تعليق عبر الفيس بوك