على باب بيته جلس المواطن رامز تايه (25عاماً)من سكان مخيم جباليا شمال قطاع غزة يحتسي كأساً من "الينسون" الدافئ في أجواء باردة، لعله يحميه من الإصابة بمرض أنفلونزا الخنازير الذي انتشر في قطاع غزة مؤخراً.
وكانت وزارة الصحة في غزة أعلنت يوم الأحد الماضي عن أول حالات إصابات بمرض "أنفلونزا الخنازير" في غزة، ووصل الإجمالي حتى عصر أمس الخميس إلى 7 وفيات جراء المرض وإصابة 35 شخصاً والاشتباه بإصابة نحو 115 حالة ما تزال تحت الفحص.
ويقول تايه متبسماً "لم أفكر يوماً أن أمسك كأساً غير القهوة ولكن ماذا نفعل فهذا حكم القوي"، ويروي لمراسل وكالة "صفا" أن الكمامة أصبحت صديقه الوحيد هذه الأيام لأن هي رفض التجول والخروج من بيته خوفاً من الإصابة بالمرض.
يأتي ذلك فيما يتصاعد شبح الإصابة بمرض أنفلونزا الخنازير يوماً تلو الآخر عند السكان، خاصة مع ازدياد حالات الوفاة في اليومين الأخيرين، وأبدى عدد من المواطنين في المخيم خوفهم الشديد من انتشار المرض، فانهالوا على الصيدليات لشراء الكمامات الواقية علها تكون أكثر أمناً لهم.
وما زاد مخاوف هؤلاء المواطنين إعلان وزارة الصحة الثلاثاء عن وفاة رئيس قسم الأوعية الدموية بمستشفى الشفاء بغزة الطبيب محمود الحداد، وقالوا: "إن كان أهل الطب أصيبوا بها فهل سنسلم نحن؟".
ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية فإن "أنفلونزا الخنازير" مرض وبائي حاد يصيب الخنازير بشكل رئيسي وينتقل عبر الاستنشاق ويؤدي فيروس الأنفلونزا من نوع "A H1N1" إلى الإصابة بهذا المرض، ويشهد العالم انتشارًا متكررًا لهذا المرض، مسببًا حالة عالية من الإعياء إلا أنه نادرًا ما يتحول لوباء قاتل لها.
ولعل ما يثير الدهشة أيضاً أن اسمه لا يطابق على طريقة نقل العدوى به، حيث أنه لا يصيب الإنسان مباشرة من الخنازير بل يحتاج إلى وسيط لانتقاله إلى جسم الإنسان.
ويقول المواطن عادل أبو شرخ :إن "الناس أصيبت بحالة من الهلع، الكل ينظر حوله ويضع يده على أنفه وفمه، وطلاب المدارس يضعون الكمامات الكل خائف"، ويضيف بكل حزن "ألا يكفينا ما نعانيه من ويلات الحصار بل أنفلونزا الخنازير أيضاً، لك الله يا غزة".
مخاوف وتحديات
وفي رد لا يخلو من غرابة، يقول المواطن نائل ريان لوكالة "صفا" عن سبب انتشار المرض في غزة:"إن المرض أوشك على نهايته لأن كل جبار وقوي نهايته في غزة وأن أنفلونزا الخنازير حتماً لن ينتشر بعد ذلك في أي بقعة في العالم لأنه جاء إلى حتفه".
ويشبه ريان المرض بالاحتلال قائلاً: "مهما كان المرض قوياً وسريع الانتشار فلن يمنعنا من مزاولة أعمالنا وسنمارسها بكل بساطة وأريحية، وسأرسل أبنائي إلى مدارسهم كالمعتاد، لأنه لن يأخذ منا أكثر مما أخذته الحرب الإسرائيلية"، جازماً بأن المرض سيجر أذيال هزيمته كما جرها الاحتلال مسبقاً.
وعلى عكسه تماماً كان موقف المواطن محمد النمنم (29 عامًا) الذي قال والهواجس حول المرض تسلب تفكيره "أنا لا أعرف كيف أتصرف والخوف يراودني كل حين، وأتساءل دوماً هل سأصاب بهذا المرض أم سأنجو منه؟".
وما يزيد خوفه أن زوجته تعمل مُدرسة في أحد مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الدولية "الأونروا" ويخاف من انتقال المرض إلى طلاب المدارس، وبذلك يكون بيته عرضةً للمرض بشكل أكبر.
وعلى صعيد آخر، كان المواطن محمد المنسي (35 عاماً) يجلس في مكتبته الصغيرة ويقلب محطات الراديو للاستماع إلى الأخبار، ومعرفة تطورات هذا المرض.
ويقول باختصار: "أنا مرعوب جداً، لأن مانسمعه عن هذا المرض الخطير يصيب الرئتين مباشرة ولا يستطيع المدخنين مقاومته خاصة وأنني كثير التدخين".
أسعار خيالية
بمجرد أن أذيع انتشار مرض أنفلونزا الخنازير بغزة فإن أسعار السلع المرتبطة به تغيرت بالمطلق، ولم تكن على حالها الذي كانت عليه قبل حوالي أسبوع فكل شيء يتعلق بمكافحة هذا المرض زاد ثمنه بشكل كبير.
فيقول التاجر محمود حميد إن الطلب زاد على التوابل والأعشاب خاصة "الينسون" لأنه كما علم الناس أنها تقي وتكافح هذا المرض فزاد سعرها إلى الضعف فأصبح ثمن "الأوقية" الواحدة (ربع كيلو غرام) منه خمسة عشر شيقلاً (الدولار= 3.90 شيقل) بعد أن كان بستة شواقل.
ويضيف حميد أن الطلب على هذه السلعة زاد كثيراً "لدرجةأنني أحضرت شوالين كبيرين من الينسون ونفدا تماماً في وقت قصير".
ويتابع أن تًجار الجملة رفعوا السعر نظراً لتوقعهم زيادة الطلب عليها "وهذا ما يجعلنا نحصل عليها بأثمان أغلى مما كانت عليه سابقاً، وهو ما ينعكس بالسلب على المواطنين، لكن الحاجة تجعلنا نوفرها".
وحول الموضوع نفسه يقول صاحب محال العطارة أبو ماهر العالول إن كيلو "الينسون" أصبح اليوم بمائة شيقل وبالأمس كان بستين شيقل فقط، ما يعني أننا سنشهد ارتفاعاً أزيد من ذلك وربما ينفد الينسون من الأسواق كلياً".
ورداً على سؤال ما إذا كان سيأتي بها من الأنفاق حال نفادها، أجاب العالول أنه حتى اللحظة فإن لديه الكمية المناسبة، لكن إذا ما لزم الأمر "بالتأكيد سوف أحضرها عبر الأنفاق لأنها المدخل الوحيد للقطاع"، متمنياً ألا يزيد سعرها أكثر من ذلك كي يستطيع كافة طبقات الشعب شراءها.
وليس بعيداً عن ذلك، فإن الحمضيات أيضاً كان لها نصيب من هذا الغلاء، فيوضح المواطن أديب سليم (57) عاماً أنه ذهب إلى السوق لشراء الليمون لأنه كما قال يعد من الفواكه التي لها خاصية تطهير المعدة وتقوية الجهاز المناعي عند الإنسان.
ويضيف سليم أن كيلو الليمون زاد شيقلين اثنين عن سعره الأصلي فأصبح 10 شواقل، متوقعاً أن يزيد عن ذلك في الأيام القادمة.
أما كمامات الوقاية الطبية فسعرها لم يخلو من زيادة، فيروي المواطن سمير القنطاني لوكالة "صفا": "ذهبت لشراء عدد من الكمامات لأسرتي فوجدت ثمن الواحد منها شيقلاً واحداً، مضيفاً أنه قبل ساعات من ذهابه للشراء كان ثمنها نصف شيقل فقط".
نصائح وإرشادات
وحول أهمية الينسون كعنصر طبيعي للوقابة، فإنه يحتوي على العديد من المركبات منها البروتينات والزيوت الطيارة والألياف والسكريات والنشاء.
ويحتوى أيضاً على مادة "Choline" وهى ضرورية لقيام الكبد بوظائفه,كما تحتوى على فيتامين "ب" المركب وفيتامين "جـ" وكذلك كميات من الكالسيوم والفسفور والبوتاسيوم والكبريت والحديد.
ويؤكد أطباء صينيون أن احتساء كوب واحد من الينسون الدافئ وليس المغلي عقب الاستيقاظ صباحاً يعد أفضل وقاية من الإصابة البشرية من مرض أنفلونزا الخنازير الذي تفشى في بقاع شتى من العالم.
وأشار الباحثون إلى أن احتساء الينسون الدافئ يفوق في فاعليته تناول عقار "تاميفلو" الذي طورته شركة "روش" السويسرية ويستخدم حالياً على نطاق عالمي واسع للوقاية من أنفلونزا الطيور والخنازير.
وحول طرق الوقاية من هذا المرض يبين لنا الدكتور الصيدلي فؤاد أبو ركبة أن أفضل طرق الوقاية من هذا المرض هو التقيد بقواعد النظافة الشخصية لأنها تمنع انتقال عدوى الفيروس التي تصيب بشكل خاص الجهاز التنفسي للجسم.
وأضاف لوكالة "صفا" أن خفض انتشار الفيروس ينبغي لدى العطس أن يغطي الشخص فمه ولكن ليس بيده وإنما بذراعه، لأن تغطية الفم باليد يعني أن ننقل كل الجراثيم الموجودة إلى كل ما نلمسه.
وفي ظل انتشار المرض ولتفادي نقل العدوى إلى الآخرين يقول الصيدلي :" يفضل تجنب الاحتكاك الجسدي بالآخرين مثل التقبيل أو المصافحة بالأيدي".
من جانبها، أعلنت وزارة الاقتصاد الوطني في غزة الخميس أنها حددت سعر "الأوقية" الواحدة (ربع كيلو غرام) من "الينسون" بسبعة شواقل كحد أقصى للمستهلك، وذلك بعد توارد المعلومات عن ارتفاع سعره بشكل كبير جداً خلال اليومين الماضيين على خلفية انتشار مرض "أنفلونزا الخنازير".
وقال مدير دائرة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد في غزة م. أحمد أبو ريالة في تصريح لوكالة "صفا" :" إن طواقم الوزارة بالتعاون مع الشرطة ومباحث التموين بدأت بالانتشار في الأسواق الشعبية والمركزية في مختلف أنحاء قطاع غزة لضمان تطبيق القرار وعدم رفع أسعار الينسون".
وأضاف أبو ريالة أن ما ورد إلى الوزارة حتى اللحظة كان يتعلق بارتفاع أسعار "الينسون" وبناء عليه تم تكثيف أنشطة المتابعة والمراقبة على الأسواق لحماية المستهلك من أي غلاء غير مقبول، مشيراً إلى انتشار الطواقم بشكل واسع، فيما لم تسجل أية مشكلة في هذا الجانب.
