تعاني كثير من القرى والتجمُّعات السَّكنية في الضفة الغربية المحتلة من عدم توفر الخدمة الصحية الحكومية المتمثلة في وجود مركز صحي حكومي يحتوي على الرعاية الصحية الأولية وأطباء مناوبين وصيدلية.
ويعد المواطنون وجود مرفق صحي ينقذهم عند الطوارئ حقا طبيعيا، ففي محافظة جنين –على سبيل المثال - يوجد 119 تجمّعا سكنيا، ولكن لا تتوافر الخدمة الصحية الحكومية سوى في 44 منها.
وقال رئيس مجلس قروي دير غزالة، إحدى قرى شرق جنين التي لا يوجد فيها مركز صحي حكومي: "نسعى جاهدين مع كل المؤسسات لتوفير الحد الأدنى من الخدمة الصحية الأولية، وأبلغنا وزارة الصحة أننا مستعدون لتوفير مقرّ وكل ما يلزم مقابل أن يفتتحوا مركزا صحيا للمنطقة الشرقية".
وأضاف "يوجد عشر قرى في محيط دير غزالة تسعى لأن تتحول إلى بلدية واحدة ضمن مشروع الدمج في الحكم المحلي، وطالبنا بوحدة صحية متطورة للقرى العشر، وتبرعنا بأربع دونمات، ولغاية الآن لا تجاوب من قبل وزارة الصحة".
مشاريع مؤقتة لا تفي
وتقوم منظمات المجتمع المدني بدورٍ مكملٍ لوزارة الصحة في المناطق التي لا تعمل بها الوزارة، سيَّما في القرى المحاذية لجدار الفصل العنصري أو تلك الواقعة داخله، ولكن المشكلة تكمُن في أن تلك المشاريع التي تقوم بها المنظمات الأهلية تبقى مؤقتة، كما أن طبيعيتها وأجندتها تختلف باختلاف الممول.
وقال المواطن حسن أبو فرحة من قرية عرانة حول ذلك: "نحن ننتظر عقد الأيام الطبية في البلدة كل يوم أربعاء من قبل مؤسسة كير الدولية والإغاثة الطبية؛ لأننا نفتقر إلى وجود وحدة صحية في البلدة؛ ولولا هذه الأيام الطبية التي لا تكفي في الحقيقة احتياجات البلد لكان الوضع الصحي أسوأ".
ولفت منسق الأيام الطبية في جمعية الإغاثة الطبية محمد أبو الهيجاء "أن المواقع التي تغطيها الجمعية لا يوجد فيها مراكز لوزارة الصحة وذلك وفق خطة مدروسة، حيث يتم إلغاء العمل في المواقع التي يوجد بها مراكز صحية حكومية".
وتابع "على سبيل المثال، كنا نعمل في قرية رمانة؛ ولكن عندنا افتتح فيها مركز صحي حكومي قمنا باستثنائها".
وأضاف "نغطي مثلا قرية مسلية، والتي يبلغ عدد سكانها من 4 إلى 5 آلاف نسمة ولا يوجد فيها مركز للصحة؛ وكذلك عرانة التي يبلغ تعداد سكانها ثلاثة ألاف ولا خدمات صحية فيها؛ وقرى بعيدة مثل المطلّة التي تعاني من الفقر وجدار الفصل العنصري".
وقال: "بالمجمل نحن نغطي ما مجموعه 30 ألف نسمة من سكان محافظة جنين الذين يفتقرون إلى وجود خدمات صحية حكومية".
ويرى المواطنون القاطنون في التجمعات التي تخلو من المراكز الصحية الحكومية أنه لا يجب الركون إلى وجود منظمات أهلية تقدم خدمات صحية بديلة؛ لأنها لا تقدمها سوى ليوم واحد في الأسبوع، كما أن المشروع الصحيّ الرئيس في المنطقة للإغاثة الطبية ومؤسسة كير سينتهي مع نهاية العام الجاري.
وقال المواطن محمد زكارنة "إنه إذا انتهى مشروع الأيام الطبية كما هو مقرر له سيكون الواقع مأساوي جدا في المنطقة"، مناشدا وزارة الصحة بإنشاء وحدة صحية دائمة في القرية.
ونوَّه أبو الهيجاء إلى أن تخوفا شديدا ينتاب أهل القرية من توقف هذا المشروع بعد نهاية السنة في شهر شباط 2010 ، "فالمشاريع لها وقت محدد في نهاية المطاف".
وأكمل "هناك مؤشرات لتوقف العمل في هذه المواقع بعد هذا التاريخ؛ لأن هناك توجهات لدى الممولين للعمل في القرى التي تقع داخل جدار الفصل العنصري؛ علما أن 80% من المواقع السكانية التي تقع خارج الجدار ليس فيها خدمات وفيها تكمن المشكلة الحقيقية.
وأشار جمال الراشد من مؤسسة كير إلى خطورة هذا التوجه، لأن الوجهة العامة للممولين في الفترة المقبلة هي التركيز على المناطق المهمشة داخل الجدار.
وقال: "إن المشكلة أن معظم البلدات خارج الجدار تفتقر أيضا للخدمة؛ ويفترض أن يكون الدور الأساسي لوزارة الصحة، ودورنا تكميلي في نهاية المطاف، ولكننا نأمل أن تتغير المعطيات لنتواصل معهم من خلال الأيام الطبية لأنهم بحاجة ماسة للخدمات الصحية الأولية".
الحاجة أكبر من الإمكانات
بدورها، قالت وزارة الصحة أن المعايير العالمية تعتبر أن كل ساكن في محيط خمسة كلم عن أي مركز صحي يعد في نطاقه، مع الأخذ بعين الاعتبار أن التوسع يعتمد على الإمكانات، وعلى الخطة الصحية التي تعتمد أولويات منها أهمها عدد السكان مع الإقرار بضآلة الإمكانات.
وبيَّن مدير صحة جنين السابق الدكتور محمد تفكجي أنه "منذ قدوم السلطة تم استحداث 25 عيادة صحية؛ و31 مركز أمومة، وقال: "هذه نقلة نوعية، لكن لا نقول أننا غطينا كل التجمعات، لدينا 119 تجمع سكاني في جنين، ويستحيل السيطرة عليها جميعا في حقبة زمنية صغيرة".
واستطرد "كما تطور الكادر الطبي الموجود؛ ففي عام 1994 لم يكن في مديرية صحة جنين سوى 72 موظفا؛ أما اليوم فيوجد لدينا 285 موظفا ليس منهم العاملون في المستشفى الحكومي".
من جهته، أكد مدير صحة طوباس مأمون زيود وجود خطة تكاملية بين وزارة الصحة وبين المؤسسات الأهلية العاملة في القطاع الصحي مثل الإغاثة الطبية وجمعية أصدقاء المريض وغيرهما، وأن عملها لا يتم بطريقة عشوائية.
وأضاف "نحن نسعى مع هذه المؤسسات إلى تحقيق التكامل، فإذا لم نكن موجودين في موقع ما يقوم القطاع غير الحكومي بتركيز نشاطه الصحي فيه؛ وهذا التكامل جزء أساسي من تحقيق التنمية".
