خان يونس- هاني الشاعر- صفا
تنهد قليلا، وبدت على وجهه علامات التعب والإرهاق بفعل الحرارة المرتفعة أثناء تقليبه أطباق البقلاوة على الفرن الحراري، في مصنع عزمي ضبان بمدينة خانيونس جنوب قطاع غزة. جهاد الشامي (41 عامًا) مواطن سوري الأصل، ضليع بصناعة الحلويات، فر من جحيم الصراع الدائر هناك، بعد أن خاف على نفسه بفعل مناصرته للثورة السورية، ووصل غزة أخيرًا، لتختلط عجينة "الثورة" بعجينة "الحصار". [title]حنين وأمل[/title] وبعد أن مسح بذراعة عرقه الذي تصبب على جبينه، وجال في باله لحظات العمل بسخاء ورخاء داخل سورية والحنين والشوق للوطن الجريح، قال "أبو ثائر" لـصفا: "على الرغم من ذلك أشعر براحة كبيرة هنا وكأني في دمشق". ومنذ لحظة وصوله غزة، انشغل الشامي في طلب الرزق الحلال لأسرته التي سبقته بالفرار من جحيم سوريا إلى قطاع غزة، حيث ذوي زوجته الفلسطينية الغزية. وفي مدينة خان يونس جنوب القطاع، حيث مسقط رأس زوجته، انطلق "فنان الحلويات السورية" بالعمل في مهنته المحببة، التي دأب عليها طوال إقامته في سوريا. وبعمله لدى مصنع عزمي ضبان، يكون "أبو ثائر" أول سوري ينجح بنقل تجربة صناعة الحلويات السورية الشهية ذات المذاق اللذيذ إلى قطاع غزة. يقول لـصفا": "منذ لحظة وصولي لم أنتظر أهل الخير يطرقوا بابنا، وحاولت أن أعيد الحياة إلى الحلويات السورية التي يشتهيها الغزيون، بحثت عن فرصة عمل بهذا المجال، حتى استقر أمري هنا". [title]عجينة الثورة والحصار[/title] وفي سوريا، عمل الشامي لنحو ست سنوات في بلاده بأشهر محال الحلويات، وهي "أبو راشد علوان، وحجازي"، كما عمل لأكثر من عشر سنوات بأحد فنادق السعودية، قبل أن يعود ليمزج بيده عجينة الحلويات الهاربة من نيران وبطش النظام بعجينة الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة. ونجح المواطن السوري إلى جانب البقلاوة، بإدخال صنف جديد من الحلويات لأول مرة إلى غزة، وهو رقائق الكلاج وكنافة "أم النارين" المحشوة بالكريمة والمغطاة بالشعر المصنوع من الدقيق، وهو اسم سوري أطلق عليها لمذاقها المتميز. وأبرز ما يميز الحلويات السورية، جمال شكلها، صغر حجمها، وتصفيفها بأشكال جذابة داخل محل البيع، مذاقها اللذيذ، وهذا ما جعلها تحظى بإقبال كبير بغزة، كما يبين مسئول المصنع أحمد أبو البيض. ويتمنى الشامي أن يوفق بعمله ويحصل قوت عيش أبنائه، وأن يجد من يساعده بالسكن في منزل إلى أن يعود لوطنه من جديد. [title]رحلة النجاة[/title] وهناك حيث دائرة الصراع، كان "أبو ثائر" يقطن إحدى ضواحي العاصمة السورية دمشق، وعمل لدى العديد من محال الحلويات الشهيرة بالعاصمة، ومع ازدياد الخطر على حياته، كان القرار المهم والحاسم بالانتقال إلى غزة. وغادرت عائلته عبر مطار دمشق للقاهرة، ومن ثم دخلوا القطاع عبر معبر رفح قبل عام تقريبًا، وحاول رب العائلة أن يلتحق بهم لكن الأمر لم يكن سهلا، فوقع بقبضة جيش النظام، وسجن لمدة شهر تقريبا بتهمة تعامله مع الجيش الحر. وبعدما أفرج عنه، قرر الفرار لغزة، فحاول العبور عن طريق الأردن بعد أن دفع مبلغا ماليا كما كل مواطن يريد المغادرة من سوريا، لكن السلطات الأردنية والسورية أرجعته ثلاث مرات ونجح بالمغادرة في الرابعة. وصل الأردن، ومنها سافر إلى مصر بحرًا عبر ميناء العقبة لنويبع، وتعاملت السلطات المصرية معه بشكل لائق، كما قال. ولدى محاولته الدخول لغزة عبر معبر رفح لم يتمكن من ذلك، لأنه لا يحمل سوى جواز سفر سوري، فاضطر للدخول عبر الأنفاق أسفل الحدود الفلسطينية المصرية قبل نحو سبعة أشهر.
