لم تعد قادرة على البكاء، فقد جف الدمع من مآقيها، تجلس في غرفتها تدعو لولدها وتصلي من أجله، وهي على هذه الحال منذ ثلاث وعشرين عاما خلت، عاشت خلالها سنين سوداء تجرعت فيها مرارة العيش وأيقنت أن لا معنى للحياة بعد فراق الأحبة.
لا تفصلها سوى ساعة واحدة عن ابنها الأسير في سجن "شطة" شمال الأراضي المحتلة عام 1948 منذ 25 عاما، لكن الاحتلال وحده من يقف سداً منيعا في طريقها ويمنعها من احتضانه وتقبيل وجنتيه.
"عندما شاهدت الشريط المصور للجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط تذكرت ابني الذي قضى أكثر من نصف عمره في سجون الاحتلال" بهذه الكلمات بدأت الحاجة فريدة والدة الأسير وليد دقة حديثها، وأضافت "لم أستطع الصمود وأنا أشاهد الشريط فقد مزق قلبي وزاد من حسرتي على فراق ابني الأسير".
صفقة شاليط الأمل
وتضيف الحاجة دقة بلهجتها الحزينة التي أعياها الشوق والحنين في حديث لـ"صفا" "لا أريد أي شيء من هذه الحياة سوى احتضان ابني وضمه بين ذراعي، لا أمل له بالخروج سوى صفقة شاليط، هي أملنا الوحيد في رؤيته بيننا بعد طول الغياب".
وأسر وليد دقة (48عاما) من سكان مدينة باقة الغربية بمركز أراضي الـ"48" المحتلة عام 1986 بتهمة أسر جندي إسرائيلي وقتله مع عدد من زملائه الذي اعتقلوا في اليوم ذاته وما زالوا يقبعون في غياهب السجون الإسرائيلية.
وناشدت والدة الأسير الفلسطيني حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بعدم التنازل عن أسرى الداخل والإبقاء عليهم ضمن صفقة تبادل الأسرى مع حكومة الاحتلال، مؤكدة أنهم جزء من الأسرى الفلسطينيين الذين أسروا على خلفية القضية الفلسطينية.
وأكَّدت دقة أن الإفراج عن أسرى الداخل الفلسطيني واعتبارهم جزء لا يتجزأ من أسرى الشعب الفلسطيني والعربي من شأنه أن يعزز من صمود الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948 ويرفع من معنوياته.
109 أسرى في السجون
ويقبع في السجون الإسرائيلية 109 أسرى من الداخل الفلسطيني بينهم 4 نساء، وأشارت مؤسسة يوسف الصديق لرعاية الأسير في الداخل الفلسطيني إلى أن أكثر من 30 أسيرا منهم يعانون من أمراض عديدة.
ووفق إحصاءات المؤسسة، يمكث 20 أسيرا من الداخل في السجون الاحتلال قبل عقد اتفاقية أوسلو، فيما قضى 4 أسرى حتى الآن أكثر من ربع قرن و12 قضوا أكثر من عشرين عاما و16 أسيرا قضوا في السجون أكثر من 16 عاما.
ويعتبر الأسير سامي يونس من سكان قرية عرعرة في منطقة وادي عارة بمركز الأراضي المحتلة عام 1948 والبالغ من العمر ثمانين عاما عميدا للأسرى ألفلسطينيين حيث اعتقل في تاريخ 5-1-1983.
أملٌ وخوفٌ وترقُّب
ويصف الأسير المحرر ومدير مؤسسة يوسف الصديق لرعاية الأسرى في الداخل الفلسطيني فراس عمري شعور ذوي أسرى الداخل بالمحزن، مشيرا إلى أن شعورهم ممزوج ما بين الأمل والخوف والترقب".
وقال: "يتابعون وسائل الإعلام بشغف، هناك أخبار ترفع من معنوياتهم وأخرى تحطم آمالهم، كلما سمعوا خبرا عن أسرى الداخل يتصلون بنا ليتأكدوا إذا كانت أسماء أبنائهم ضمن الصفقة".
وأكد عمري أن ذوي أسرى الداخل والأسرى أنفسهم يعيشون شيئا من الإحباط، ذلك لأن أسماءهم لم تندرج خلال العديد من صفقات التبادل التي جرت على مر السنين بين الاحتلال وحركات المقاومة اللبنانية والفلسطينية.
وتصرّ حكومة الاحتلال الإسرائيلي على أن أسرى الداخل شأن إسرائيلي داخلي كونهم يحملون الجنسية الإسرائيلية، وترفض تدخل الأطراف الأجنبية في هذا الشأن، فيما تصرّ عائلات الأسرى والأسرى أنفسهم على أنهم أسرى فلسطينيون أسروا فداءً للقضية الفلسطينية كغيرهم من الأسرى في سجون الاحتلال.
فرصةٌ ثمينة لن تتكرر
وأضاف عمري في معرض حديثه لـ"صفا" قائلا: "أنا أؤكد أنه إذا تخطت صفقة تبادل الأسرى القادمة أسرى الداخل الفلسطيني، سيكون الأمر بمثابة نكبة للأسرى جميعا والقدامى على وجه الخصوص ذلك لأنهم يدركون جيدا أن فرصة كهذه لن تعود قريبا".
وأوضح "نحن نعتبر أنه بمجرد تخطي هذه الصفة أسرى الداخل الفلسطيني سيكون الأمر بمثابة ضربة قاسية في قلب عقيدة المقاومة والصمود التي تنادي بها حركة حماس نفسها التي أكدت مرارا أنها لا تفرق بين فلسطيني وآخر باختلاف الأماكن الجغرافية والقيم التاريخية".
وقال مدير مؤسسة يوسف الصديق: "في حال رضخت حركة حماس للشروط الإسرائيلية في صفقة تبادل الأسرى ولا تدرج أسماء فلسطينيي 48 على اللائحة هذا يعني أنها سترضخ أيضا في قضية القدس واللاجئين وأهم القضايا الفلسطينية".
أما المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948 فسيعيش النكسة والنكبة مرتين في حال تمت الصفقة دون الإفراج عن أسرى الداخل، ووفق عمري "ستتم بعد ذلك عملية تطبيعهم وأسرلتهم بسهولة كبيرة، لأنهم سيصابون بالإحباط ويفقدون ثقتهم بالمقاومة التي تدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني".
فلسطينيٌ في الأسر وإسرائيليٌ عند التبادل
وتعاقب الحكومة الإسرائيلية أسرى الداخل الفلسطيني مرتين، حيث تميز بينهم وبين أسرى قطاع غزة والضفة الغربية، وتعتبرهم فلسطينيين داخل الزنازين وتعاقبهم وتذلهم وتقهرهم كما غيرهم من الأسرى.
بالمقابل، تعتبر الحكومة الإسرائيلية أسرى الداخل بمثابة مواطنين إسرائيليين عند اقتراب صفقات تبادل الأسرى وترفض الإفراج عنهم، وبذلك يكون أسرى الـ"48" بمثابة فلسطينيين داخل الأسر وإسرائيليين خلال تبادل الأسرى.
وأكد مدير مؤسسة يوسف الصديق أن أسرى الداخل ألفلسطيني يرفضون تمييزهم عن باقي الأسرى الفلسطينيين.
وأشار إلى أن معايير الإفراج التي حددتها حماس يجب أن تطبق على أسرى الداخل كما غيرهم دون تمييز، فإذا قررت الإفراج عن الأكبر سنا يجب أن يفرج عن الأكبر من أسرى الداخل، وإذا قررت الإفراج عن ذوي المحكوميات العالية يجب أن يفرج عن ذوي المحكوميات العالية من أسرى الداخل أيضا.
وفي ظل الحديث عن قرب إتمام صفقة تبادل الأسرى الفلسطينيين بالجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط، يبقى الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948 يعيش حالة الترقب والأمل عله يفرح يوما بخروج أسرى دافعوا عن قضيته كما تفرح بقية العائلات الفلسطينية.
