منذ احتلالها لبيت المقدس عام 1967 تسعى المؤسسة الإسرائيلية إلى عزل تلك المنطقة عن محيطها الفلسطيني من خلال اتخاذ عدة خطوات لتهويد المدينة وتشريد سكانها العرب وتقطيع أوصالها وفصلها عن البلاد العربية المجاورة من خلال إقامة الجدار الفاصل.
والآن وبعد مضي أكثر من أربعين عاما على الاحتلال الذي أمعن في تقسيم القدس وتهوديها، بدأت تلوح معالم الصحوة الأوروبية الغربية الخجلة في الأفق، من خلال قرار اتخذه الاتحاد الأوروبي بعقد اجتماع لربما يصدر عنه قرار يعتبر القدس الشرقية فقط عاصمة لدولة فلسطينية لم تولد بعد.
ومع كشف تفاصيل الاجتماع المقرر الأسبوع المقبل، بدأ الاحتلال يصول ويجول كعادته في دول أوروبا لمنع اتخاذ أي قرار من شانه أن يمس بالسيادة الإسرائيلية عن القدس المحتلة.
وهددت خارجية الاحتلال دول الاتحاد الأوروبي من مغبة اتخاذ القرار بشأن القدس، مشيرة إلى أن أوروبا ستفقد دورها الذي تلعبه في قضية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين وستعتبر وسيطا غير نزيه في المفاوضات في حال اتخاذ القرار المزمع.
تشجيع القرار
ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس محمود محارب أن المشروع الأوروبي لدعم إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية لن يرى النور دون أن يلقى الدعم الكامل من قبل الجانب الفلسطيني والعربي، مشيرا إلى أن على الدول العربية تشجيع القرار وتدعمه بقوة من أجل تنفيذه.
وأكد محارب لـ"صفا" أن الكيان الإسرائيلي لن يستطيع الوقوف في وجه قرار دول الاتحاد الأوروبي الذي يدرك تماما أن الحل الوحيد للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني هو إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس.
وأشار إلى أن "إسرائيل" قد تستطيع التأثير على بعض الدول الأوروبية وإقناعها بعدم التصويت لصالح القرار، بيد أن ذلك لن يؤثر على إنجاح الاجتماع واتخاذ قرار حاسم بشان القدس في ظل الدعم الذي تلقاه هذه المبادرة من قبل أغلبية الدول الأوروبية.
وتسعى وزارة الخارجية الإسرائيلي إلى إجهاض مشروع القرار قبل أن يعقد الاجتماع الأسبوع المقبل من خلال عقد اجتماعات مكثفة في الدول الأوروبية بغية إقناعها بعدم تبني المشروع.
وأوضح أستاذ العلوم السياسية في معرض حديثه أن الاتحاد الأوروبي يستطيع الضغط على الحكومة الإسرائيلية في حال تبنى القرار، وذلك من خلال اتخاذ العديد من الخطوات ضد "إسرائيل" أهمها العقوبات الاقتصادية والضغوطات السياسية".
ويؤكد محارب أن الاحتلال سعى وما زال منذ احتلال القدس إلى توسيع نطاق الاستيطان والسيطرة على المدينة المقدسة وذلك في ظل غياب الموقف العربي والعالمي من هذه القضية، مشيرا إلى أن الاحتلال يعارض تقاسم القدس مع الفلسطينيين خشية على سيادته في تلك المنطقة.
وحذر من مغبة سكوت الدول العربية والسلطة الفلسطينية على المشاريع الإسرائيلية الآخذة بالازدياد في القدس المحتلة، مشيرا إلى أن السكوت على الجرائم الإسرائيلية يؤدي إلى ازديادها، داعيا إلى اتخاذ موقف حاسم ودعم قرارات الاتحاد الأوروبي من اجل إنهاء الاحتلال.
نفاق أوروبي
بالمقابل، عدّ الخبير في الشأن الإسرائيلي ورئيس تحرير صحيفة "مع الحدث" الصادرة في الداخل الفلسطيني زهير اندراوس الحراك الأوروبي تجاه قضية القدس مجرد نفاق أوروبي معروف مسبقا، مشيرا إلى أن دول الاتحاد لا تتجرأ على اتخاذ موقف مناوئ لـ"إسرائيل".
ويرى اندراوس أن الاتحاد الأوروبي الذي يتحيز للكيان الإسرائيلية منذ إعلان وثيقة استقلاله، يعمل على تسريب مجرد معلومات إعلامية حول مشروع تقسيم القدس هدفها الضغط على السلطة الفلسطينية ممثلة بمحمود عباس من أجل العودة إلى طاولة المفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي.
وأكد الخبير في الشأن الإسرائيلي أن قرار الاتحاد الأوروبي بعيد ألف سنة ضوئية عن التنفيذ في حال تم إقراره، مشيرا إلى أن "إسرائيل" مجرد دولة مارقة بامتياز ومعربدة بتفوق ولم تنفذ أكثر من 60 قرارا صادر عما يسمى بالمجتمع الدولي حتى الآن على الرغم أنها الدولة الوحيدة التي قامت بقرار أممي شريطة اعترافها بقرار التقسيم (181) وقرار اللاجئين (194).
وأوضح اندراوس في حديثه لـ"صفا" :" الدولة العبرية ستخسر كثيراً في حال افترضنا وصدر قرار الاتحاد الأوروبي وبدأت عملية تنفيذه، مؤكدا أن أول ما ستخسره "إسرائيل" هو تأييد الرأي العام الأوروبي الذي بدأ يتغير شيئا فشيئا وهي التي تسعى إلى كسب هذا التأييد طيلة الوقت".
وقال رئيس تحرير صحيفة "مع الحدث" : عامل الزمان مهم جدا لدى إسرائيل، الوقت الآني صعب جدا بالنسبة لها وتحاول كسب التأييد والرأي العام الغربي خاصة بعد اعتماد لجنة تقصي الحقائق الدولية برئاسة القاضي ريتشارد غولديستون التي أدانت "إسرائيل" بارتكاب جرائم حرب وضد الإنسانية في قطاع غزة".
وأكد أن الكيان الإسرائيلي بات منبوذاً في هذه المرحلة، مشيرا إلى أن الشعب الإسرائيلي نفسه بدأ يسير وراء سياسات حكومته المتطرفة التي تحاول جاهدة كسب التأييد العالمي والظهور بمظهر المجني عليه لتواصل سرقتها للفرد الفلسطيني وأرضه وعرضه"، على حد تعبيره.
بدوره، قال الباحث والخبير في شؤون بيت المقدس الدكتور محمود مصالحة :" إن دولة الاحتلال تعرف ضمنا أن القدس المحتلة مقسمة أصلا وان جميع المستوطنات التي تقوم ببنائها بمسمى القدس الكبرى ليست القدس إنما مجرد مستوطنات".
وحسب مصالحة، يبدي الكيان تخوفه من مشروع قرار الدول الأوروبية لتداركه أن مشروع تقسيم القدس سيعطي دعما سياسيا كبيرا للسلطة الفلسطينية في حال سيطرت على المدينة المقدسة على حساب "إسرائيل".
وأكد مصالحة لـ"صفا" أن مشروع القرار الأوروبي من شأنه يساعد على تقدم مسيرة إنهاء الاحتلال في حال تم تنفيذه، مشيرا إلى أن على السلطة الفلسطينية نفسها عدم التنازل عن حقها في القدس المحتلة لأنها بمجرد تنازلها ستزداد حدة السيطرة الإسرائيلية على تلك المنطقة.
وأوضح الباحث الفلسطيني في معرض حديثه " أن العديد من المراكز الإسرائيلية والمرافق العامة بالإضافة إلى مبنى الكنيست نفسه يقع على أراضي تابعة لمدينة القدس المحتلة وأقيمت على أنقاض قرى وأحياء عربية".
وأكد أن التخوف الإسرائيلي حيال مشروع التقسيم نابع من تخوف المؤسسة الإسرائيلي من إعادة الطابع العربي الفلسطيني لتلك الأحياء من جديد وبعد سيطرة دامت أكثر من أربعين عاما.
