غزة-خالد كريزم-صفا
أصبحت ذاكرة الطفلة منار مُثقلة بالصور والأشكال التي تحكي سلسة أحداث تتمنى أن تتحقق بانتهائها من إطلاق مناشدتها للعالم أمام مقر الصليب الأحمر الدولي بغزة بالإفراج عن والدها جمال النوري. تُسافر هذه الطفلة ذهنيًا كل يوم إلى "بئر السبع"، السجن الذي يقبع فيه والدها، وتأخذها الأمنيات للقاء والدها وهي تشعر أنّه أقرب للموت في الوقت الذي يتلذذ فيه السجان بتعذيبه بعد أن قرر أن يمنع نفسه عن الطعام والشراب. "لماذا حرموني منك دون أن تُقبلني قُبلة واحدة، أريد أبي".. كلمات نطقت بها منار (11 عاما) أمام مقر الصليب الأحمر علّها تجد من يُنهي آلامها، لكنّها لا تجد سوى صدى الصوت. ولفّت السعادة الطفلة منار وشقيقتها ابتسام بعد أنّ سمح الاحتلال باستئناف زيارات أهالي القطاع بعد منع دام ست سنوات، بموجب الاتفاق الذي وقع بين قيادة الحركة الأسيرة وإدارة مصلحة السجون بعد معركة الأمعاء الخاوية "سنحيا كرامًا" في مايو الماضي. إلا أنّ تلك السعادة لم تكتمل -كما تقول الطفلة لـ"صفا"- لأنّ الاحتلال يمنع الطفلتين من زيارة والدهما داخل السجون كباقي أطفال جميع الأسرى. ويُضرب الأسير النوري لليوم الـ52 عن الطعام من أجل المطالبة بالإفراج عنه بعد أن قضى ثلثي المدة، ورفضًا لسلوك قوات السجون الإسرائيلية، حيث يمنعون أطفاله من زيارته منذ 6 أعوام ويتلقى معاملة إنسانية وحشية، كما نقلته إدارة السجون الشهر الماضي إلى عزل بئر السبع بسبب مواصلته الإضراب. وكان النوري اعتقل خلال محاولته السفر عبر معبر رفح بداية تموز 2002 وحكم 20 سنة، خفضت بعد الاستئناف لـ13 سنة، تنقل خلالها في سجون المجدل ونفحة وبئر السبع. [title]قوتها من والدها [/title]وتؤكد ابنة الأسير النوري الأخرى ابتسام لـ"صفا" أنّها تستمد قوتها من والدها داخل السجن، رغم ما يتعرض له من معاناة خاصة بعد دخوله الإضراب. ولم تذهب الطفلة ابتسام (10 أعوام) اليوم لمدرستها بهدف إيصال صوتها للعالم والمؤسسات الحقوقية والدولية ولفت أنظارهم حول قضية الأسرى وخاصة المضربين والمعزولين. وتُقلّب الطفلتان كل يوم صور والدهما لئلا ينسين ملامح وجهه وتتعرفا عليه من خلالها، لأنهما لا يعرفانه إلا عبر تلك الصور ورسائله الورقية، حيث ولدت إحداهن وهو داخل الأسر والأخرى كان عمرها بضعة شهور. وتُهدهد والدة جمال حفيدتيها بالتفاؤل والأمل والوعود بقرب الحرية، حينما يغلب عليهن البكاء شوقًا لوالدهن الذي يتمنين رؤيته منذ أن قدمتا إلى الحياة. [img=042013/re_1366630731.jpg]اعتصام مع النوري والأسرى المضربين بغزة[/img] وبدت والدة جمال محتسبة وقوية ومتأملة بفرج ابنها وتأثير سلاح الأمعاء الخاوية في الانتصار على السجان الإسرائيلي، وتوضح لـ"صفا" أنّ جميع الأسرى يجب أن يدخلوا في حالة إضراب وعصيان مدني حتى يتحقق حلمهم بالإفراج. وتدعو أم جمال للمزيد من الفعاليات المناصرة للأسرى بجانب تفعيل المقاومة وإدراك أهمية الجانب القانوني والإنساني في نقل القضية إلى العالم. [title]الدور الخارجي[/title] ويقول المحرر المقدسي المبعد إلى غزة عبد العزيز عمرو إنّنا "نخشى أن تخرج علينا بعض مؤسسات حقوق الإنسان لتعتبر الإضراب عن الطعام إرهابًا، كما اعتبرت جميع خطوات الشعب الفلسطيني النضالية إرهابية". ويتساءل عمرو خلال كلمته أمام مقر الصليب الأحمر الاثنين: "ما الإرهاب الذي صنعته طفلتا الأسير جمال النوري حتى تُحرم طفلتيه من رؤيته ويستمر الاحتلال بتعذيبه وعدم الإفراج عنه؟". ودعا عمرو الأمة العربية والإسلامية وأحرار العالم ودول الثورات وأساتذة الجامعات ووسائل الإعلام لتفعيل قضية الأسرى، مطالبًا الدول الأوروبية بالاستيقاظ ولفظ السياسيين الداعمين لسياسات الاحتلال قبل فوات الأوان. وقال "لا بد من مقاطعة الاحتلال وتفكيكه وإنهائه، آن الأوان أن تنتهي العنصرية البغيضة التي يمارسها الاحتلال ضد الأسرى". من جانبه، قال رئيس جمعية واعد للأسرى والمحررين توفيق أبو نعيم إنّ الاحتلال يحاول قتل طفولة أبناء فلسطين، "وأطفال الأسير النوري خير دليل على المعاناة التي يلقاها هؤلاء كل يوم". وأضاف أنّ "قتل الأسرى لن يستطيع أن يقتل عزيمتنا في الدفاع عنه بكل الوسائل، ومهما طال الوقت فإننا سننتقم للمحرومين والمعذبين، وسنبلغ كل مكان حتى تحرير أسرانا ليس بالخطابات فقط وإنما بالأفعال والرد المقاوم".
