web site counter

أم الشافعين.. والدة خمسة معاقين كرست حياتها لخدمتهم

"لا يوجد شيء يجعلنا عظماء سوى ألم عظيم، الحمد لله الذي جعلني من أهل الابتلاء"، بهذه العبارات بدأت المواطنة نجوى حرز الله تروي معاناتها بعد أن رزقها الله بخمسة أبناء كلهم من ذوي الإعاقة الشديدة ممن يتوفاهم الله عند بلوغهم سن الشباب.

 

تقول حرز الله - وهي من بلدة يعبد بمحافظة جنين- في حديث لوكالة "صفا": "سميت نفسي (أم الشافعين) وأحب أن أنادى بهذا الاسم الذي أتمنى أن أكون ممن يستحقونه بجدارة؛ فهم الشافعون لنا يوم القيامة؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب أن يحشر مع وزير أو ملك؛ بل طلب أن يحشر مع المساكين".

الأبناء الخمسة تجمعهم صورة واحدة

 

ودمعت عينا "أم الشافعين" وهي تتحدث عن معاناتها وأطفالها الخمسة الذين يتخطفهم الموت من بين أحضانها الواحد تلو الآخر دون حول لها ولا قوة، مستعينة بالله على ما أصابها من ابتلاء.

 

صبر أيوب

وقالت الأم إن الله رزقها بخمسة أطفال لا يستطيعون الحركة ويعجزون عن الكلام، ولا يستطيعون قضاء الحد الأدنى من احتياجاتهم جراء إعاقتهم العقلية والجسدية التي جعلت من حياة العائلة صعبة وقاسية كما وصفتها حرز الله التي أضافت إن الله منّ عليها بجسد هزيل يقوم بأعمال ليس باستطاعة أية امرأة أخرى القيام بها نظراً لصعوبة وتعدد هذه الأعمال.

 

وذكرت أن أول أبنائها الخمسة توفي قبل نحو عامين، وتبعه الثاني قبل ذلك بعامين، ليتبقى لديها ثلاثة أبناء تقوم على رعايتهم وتوفير كامل احتياجاتهم ومتطلباتهم اليومية في عمل شاق أشبه ما يكون "بالنحت في الصخر".

 

واسترسلت في سرد معاناتها قائلة: "أقدم لكم ابني يوسف (21) عاماً والذي عاش طفلاً طبيعياً حتى وصل الصف الثاني الأساسي، حيث ظهرت عليه علامات الإعاقة، وهذه أنوار بقيت طبيعية حتى وصلت الصف الأول الأساسي، ثم بدأت تظهر عليها علامات التراجع".

 

وتوضح حرز الله أن أبناءها كلما كبروا تظهر عليهم علامات الضمور، حيث تتعطل وظائف الدماغ والاستيعاب حتى يصبحون عاجزين تماماً عن الحركة.

 

وتشير حرز الله إلى أنها اضطرت للعمل آذنة في روضة الأطفال التي كانت تدرس فيها ابنتها أنوار من أجل أن تراقبها ليل نهار؛ حيث بقيت أنوار سليمة وبصحة جيدة حتى أنهت الصف الأول فأصابها ما أصاب أخوتها.

 

وتقول: "ما أن دخلت الصف الأول حتى أصبحت طفلة مختلفة تماماً؛ ليست أنوار التي أعرفها؛ فرفضتها المدرسة والشارع والناس؛ وحين تنظر إلى صورتها فإنك لن تصدق إنها نفس البنت".

الأم طالبت بافتتاح مراكز حكومية ترعى ذوي الإعاقات الشديدة

 

وتضيف أنها تقبلت ذلك بصدر رحب؛ وتعبر باستمرار عن عدم قنوطها من رحمة الله، وصبرها على ما أصابها وتحملها كل المشاق والصعوبات في سبيل رعاية أطفالها.

 

بيئة سلبية

وتتحدث حرز الله بسلبية بالغة عن سلوك المجتمع تجاه أبنائها، فتقول: "لقد أنبني المجتمع ؛ وكان كلام الناس مثل السكين يطعن في قلبي؛ فكانوا يقولون لي: ابنك مجنون.. أهبل، لكنني صبرت وما أخفيت أولادي عن الناس كما يفعل كثيرون ممن لديهم أبناء معاقون".

 

وتضيف "أظهرت أبنائي للمجتمع كله؛ وتنقلت بهم في كل الضفة الغربية؛ فالجميع يعرفهم وأنا فخورة بهم،  حتى أهل البيت عانيت منهم في البداية، لكن ما كان يخفف عني دائما هو أن زوجي كان بجواري يساندني".

 

وتردف والدموع تنهمر من عينيها: "أدعو الله في كل صلاة أن لا يحكّم أحداً في أبنائي؛ أدعوه أن يموتوا جميعاً في حياتي وحياة أبيهم حتى لا يصبحوا تحت رحمة أحد وتحت سيف هذه النظرة السلبية تجاه المعاق في المجتمع".

 

وتعاني حرز الله من سوء الحالة الاقتصادية؛ فزوجها عاطل عن العمل منذ بناء جدار الفصل العنصري وحرمانه من العمل في الأراضي المحتلة عام 1948.

 

وتقول: "إنهم عبء اقتصادي ثقيل؛ فثمن الحفاظات المستعملة لهم شهرياً يعادل راتب موظف؛ إضافة إلى أدوية الأعصاب وغيرها، ولولا مساعدة أهل الخير لنا لما تمكنا من توفير المستلزمات لهم؛ فأبنائي مكفولين في لجنة أموال الزكاة، كما أننا نتلقى مساعدة من الشئون الاجتماعية؛ ولكن تبقى الاحتياجات أكبر من ذلك بكثير".

 

اهتمام غير كاف

وتسجل حرز الله عتبها على الجهات الحكومية، موضحة أن الأسير له راتب ومؤسسات ترعاه، والشهيد له راتب ومؤسسات ترعاه، ولكن المعاق ليس له أحد؛ وهذه الفئة لا تستطيع أن تعبر عن احتياجاتها مثل باقي المجتمع، لذا يجب على الجميع أن يتفهم احتياجاتهم.

 

وطالبت بافتتاح مراكز حكومية ترعى ذوي الإعاقات الشديدة؛ فلا يوجد في الضفة الغربية أي مركز حكومي أو خاص يؤوي مثل هذه الإعاقات.

 

وتؤكد أن دور المؤسسات التي ترعى المعاقين يقتصر فقط على التعليم والإرشاد لذوي الإعاقات الخفيفة، وأن كثيراً من ذوي العاقين لا يرسلون أبناءهم لهذه المؤسسات لأن تكلفة المواصلات لهذه الفئات مرتفعة، وهذا في حال كان المركز في الأصل ملائماً لهذه الفئة أو تلك.

 

ويقوم مركز المستقبل لرعاية ذوي الإعاقة في جنين باستقبال أبناء نجوى حرز الله عدة ساعات في النهار تجاوزاً بسبب عدم وجود مراكز بديلة؛ وتقول مديرة مركز المستقبل جمانة دراغمة: "اضطررنا لاستقبال أبناء حرز الله نظراً لصعوبة حالة الأبناء والأسرة".

 

وتضيف دراغمة: "هذا المركز يقدم التعليم والإرشاد لذوي الإعاقة لا سيما مرضى التوحد البسيط والمتوسط؛ ولكن حالة أبناء الأسرة تثير السؤال حول عدم وجود أي مركز حكومي في الضفة يأوي هذه الفئات".

 

وتتساءل: "كل يوم نسمع عن تبني الحكومة لغداء عمل ونشاط رياضي؛ لكن أين دورها في إقامة مراكز لهذه الفئات؛ يجب أن توضع هذه الفئة تحت المجهر حتى لا يكون مصيرها الشارع".

 

ويؤكد رئيس الاتحاد العام للمعاقين في جنين رفيق أبو سيفين عدم وجود رعاية كافية بالمعاق عموماً، وبأصحاب الإعاقات الشديدة خصوصاً الذين لا يوجد لهم مكان سوى الشارع.

 

ويقول أبو سيفين: "هذه الحالات للأسف محط سخرية المجتمع من جهة؛ وعدم وجود مكان إيواء من جهة ثانية؛ وكذلك عدم وجود مخصصات مالية لهم من أجل تلبية الحد الأدنى لاحتياجاتهم". 

/ تعليق عبر الفيس بوك