لم يدع الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من ثلاثة أعوام مجالاً من مجالات الحياة الإنسانية إلا وألقى بظلاله عليها، مصانع الخياطة في غزة واحدة من تلك المجالات التي كانت الأكثر تضرراً من الإغلاق، نظراً لتوقف حوالي 900 مصنع عن العمل بسبب اعتمادها الأساسي على السوق الإسرائيلي.
وحسب الغرفة التجارية الفلسطينية، فإن 90% من منتجات مصانع الخياطة في القطاع تحاك للسوق الإسرائيلية، فيما لا تستوعب السوق المحلية أكثر من 10% نتيجة اعتمادها على البضائع المستوردة من الخارج وخاصة من الصين.
ويساهم قطاع الخياطة حسب نائب رئيس اتحاد مصانع الخياطة في غزة صالح عايش بنسبة 15% من مجمل الدخل القومي وبمبلغ 23 مليون دولار سنوياً من عائدات الضرائب.
نافذ السدودي (42) عاماً صاحب مصنع للخياطة في مخيم النصيرات قال: "إن الحصار أثر بشكل كبير على وضعه الاقتصادي، حيث كبده خسائر فادحة نتيجة توقف إنتاج مصنعه لندرة إدخال المواد الخام".
وأضاف "لقد أصبحت الآن عاطل عن العمل، لا أملك سوى بعض الأموال التي ادخرتها لوقت أحتاجه فيه إليها، خاصة أنني دفعت جزء منها كمستحقات للعمال الذين يعملون لدي في المصنع والبالغ عددهم 35 عاملاً".
وتابع: "مع تشديد الحصار وإغلاق المعابر وعدم سماح الاحتلال بإدخال مواد الخام من أجل تشغيل المصانع، اضطررت إلى إغلاق المصنع وتسريح العمال، لأن اعتمادنا الأساسي كان على السوق الإسرائيلية".
خسائر باهظة
ويعاني أصحاب مصانع الخياطة من أوضاع اقتصادية صعبة للغاية، منذ فرض الحصار على القطاع قبل أكثر من ثلاثة أعوام، حيث منعت "إسرائيل" إدخال البضائع ومواد الخام للقطاع، مما فاقم من حجم الفقر والبطالة في المجتمع الفلسطيني.
وأوضح السدودي أنه كان يتعامل في إنتاج الملابس مع ثلاث شركات إسرائيلية قبل فرض الحصار، وكان مصنعه ينتج حوالي 1500- 2000 قطعة ملابس يومياً وكانت الأرباح ممتازة، ولكن الآن بات لا ينتج شيئاً.
سعد السقا (62) عاماً صاحب أكبر مصنع لخياطة الجينز بالقطاع، قال بنبرة حزن عميق: "لدي ثلاثة مصانع لإنتاج الجينز موزعة على ثلاث مناطق هي غزة وبلدة عبسان في خانيونس ومخيم الشاطئ، كان يعمل بها نحو 140عاملاً، باتوا اليوم عاطلين عن العمل".
وأضاف لوكالة "صفا": "استمرار إغلاق المعابر دفعني إلى إغلاق المصانع الثلاثة وبيع ثلاث حافلات كانت تنقل العمال إلى مكان عملهم من أجل أن أعتاش منها أنا وأسرتي وكي أستطيع توفير احتياجاتهم الأساسية، بعد أن فقدنا مصدر رزقنا الأساسي".
وأشار إلى أن ظروف الحصار الصعبة بددت كل الآمال لديه وألحقت به خسائر باهظة لا تقدر بأي ثمن، حيث زادت من تبعاته على الحياة الفلسطينية بشكل عام، منوهاً إلى أن المواطن الفلسطيني لم يعد يحتمل وبات ينتظر المساعدات الخيرية.
وتابع بألم وحسرة على آلاته التي توقفت عن العمل: "كافة الآلات والمعدات توقفت عن العمل وباتت متروكة جانباً منذ سنوات تنتظر أية انفراجة في الأزمة الصعبة التي نعاني منها كي تعود للعمل من جديد".
ولم يكن حال صاحب مصنع الخياطة أحمد بلال (50) عاماً أفضل من سابقيه، فظروف الحصار وإغلاق المعابر زادت من معاناته بشكل غير مسبوق، حيث لم يعد يحتمل البقاء دون مصدر رزق، لأن تكاليف وتبعات الحياة غالية.
وقال بلال باستياء شديد: "سئمنا هذا الوضع، حيث بتنا عاجزين عن توفير أبسط الاحتياجات لأسرنا، نظراً لأن تكاليف الحياة غالية جداً في ظل عدم وجود مصدر رزق نعتاش منه، بعد إغلاق المصنع الذي كان المصدر الأساسي لنا في الحصول على لقمة العيش".
وأضاف أن "إغلاق المعابر خاصة معبر المنطار دفعني لإغلاق المصنع، لأن سلطات الاحتلال لم تعد تسمح بإدخال مواد الخام والبضائع إلى غزة، فنحن نعتمد على السوق الإسرائيلي كالغالبية العظمى من مصانع الخياطة العاملة في قطاع غزة".
مصانع مشلولة
مدير مكتب وزير الاقتصاد في غزة حاتم عويضة قال: "إن الحصار أدى لإغلاق 95% من مصانع القطاع بشكل عام، نتيجة عدم سماح سلطات الاحتلال بإدخال مواد الخام اللازمة لتشغيل هذه المصانع".
وأضاف عويضة في حديث لوكالة "صفا" "إن سلطات الاحتلال ما تزال تصر على عدم السماح بإدخال المواد اللازمة للقطاعات الصناعية والإنتاجية بهدف تركيع وإذلال الشعب الفلسطيني"، مؤكداً أن الوزارة سعت منذ فرض الحصار لإيجاد بدائل بالتنسيق مع القطاع الخاص وبعض الشخصيات وأصحاب الشركات العاملة بهذا القطاع.
وأشار إلى أن جزء ضئيل جداً من المصانع تعمل في القطاع، فيما الغالبية العظمى باتت مشلولة ومتوقفة تماماً عن العمل نظراً لاعتمادها الكلي على الاستيراد والتصدير مع "إسرائيل"، كما أن قطاع غزة يعتمد بالأساس على الصناعة.
وأوضح أن غالبية المصانع في القطاع تعمل من خلال تجهيز البضائع ومن ثم توريدها إلى المناطق المحتلة عام 48، مشيراً إلى أن هناك كمية من الأقمشة كانت مخزنة في مخازن تعود لبعض التجار تم بيعها لأصحاب بعض المصانع بهدف تشغيلها، منوهاً إلى أن شراء بعض الأقمشة يتم بطرق مختلفة سواء كان عبر الأنفاق الحدودية أو عن طريق تجار آخرين يعملون في مجال النسيج والقماش.
وحول وجود اتصالات مع "إسرائيل" للسماح بإدخال مواد الخام، أكد أن لجنة تنسيق إدخال البضائع للقطاع تقوم بشكل مستمر بإجراء الاتصالات بهدف إدخال سلع متعددة للقطاع، ولكنها تواجه بالتعنت الإسرائيلي.
وعن الخسائر التي تكبدها القطاع الصناعي بشكل عام، أوضح أنه تكبد خسائر مباشرة نتيجة العدوان الإسرائيلي وغير مباشرة نتيجة توقف غالبية المصانع عن العمل وعدم قدرة صاحب المصنع على ممارسة عمله في مصنعه، فيما قدرت خسائر مصانع الخياطة من 4- 5 ملايين دولار شهرياً.
وأشار إلى أن الوزارة قدمت مساعدات عاجلة بلغت حوالي 3 مليون دولار لكل المتضررين من الحرب الإسرائيلية الأخيرة، وهناك أيضاً برنامج تشغيل العاطلين عن العمل جزء منه مخصص للعاملين في القطاع الصناعي.
وقال: "طالما استمر الحصار وبقيت المعابر مغلقة سنبقى نعاني ولن نتمكن من تنفيذ أية عملية دعم أو تطوير للقطاع الصناعي لأن عملية التطوير والتنمية المستدامة مرتبطة بفتح قطاع غزة على العالم الخارجي".
من جانبه، أوضح رئيس اتحاد مصانع الخياطة في غزة محمد أبو شنب أن مصانع الخياطة كانت الأكثر تضرراً بفعل الحصار وإغلاق المعابر، حيث توقف حوالي 900 مصنع للخياطة عن العمل، فيما سُرح نتيجة لذلك أكثر من 25 ألف عامل.
وأشار إلى أن سلطات الاحتلال منذ إغلاق المعابر لم تسمح بإدخال أي شحنة أقمشة للقطاع، الأمر الذي يزيد ويفاقم من معاناة أصحاب مصانع الخياطة، نظراً لاعتمادهم الأساسي على السوق الإسرائيلي.
وقدر أبو شنب خسائر قطاع مصانع الخياطة من 4- 5 ملايين دولار شهرياً، مطالباً بإنقاذ قطاع الخياطة من الانهيار التام والعمل على فتح كافة المعابر فوراً، قائلاً: "بدون فتح المعابر وإدخال المواد الخام لن يتم إنعاش قطاع الخياطة".
