الأخبار

"جُمانة" تطوي 17 سنة من الحرمان برؤية والدها المحرّر

16 كانون ثاني / يناير 2020. الساعة 02:45 بتوقيت القــدس. منذ 5 أيام

تقارير » تقارير

تصغير الخط تكبير الخط

رفح - هاني الشاعر- صفا

أخيرًا، طوت الفتاة جُمانة أبو جزر (17عامًا)، مشوارًا طويلاً من الألم والانتظار والشوق، بعد احتضان والدها علاء أبو جزر (43عامًا)، الذي كان معتقلاً في سجون الاحتلال الإسرائيلي؛ فور تحرره في ساعةٍ متأخرةٍ من مساء أمس الأربعاء.

واعتقل أبو جزر الذي يقطن محافظة رفح جنوبي قطاع غزة؛ في شتاء 2003، على معبر رفح أثناء مرافقة والده، وحُكِم عليه بالسجن 17 سنة.

أبو جزر ترك خلفه ابنته الوحيدة "جُمانة" التي كانت رضيعة؛ وتولت والدتها رعايتها، لكنها توفيت بعد أشهر، لتنتقل لرعاية جدها الذي توفي بعد أشهرٍ أيضًا.

ولاحقًا انتقلت لرعاية عمها، فكانت الفاجعة باستشهاده في قصفٍ إسرائيلي، لتبقى في رعاية جدتها مريم أبو جزر التي حافظت عليها حتى لحظة الإفراج عن نجلها علاء وهي بعمر (80 عامًا).

لم تحظ "جُمانة" بلقاء والدها وهو معتقل سوى مرتين، آخرها قبل خمس سنوات؛ لتُمنع من زيارته بعدها، بحجة "الرفض الأمني"، لكن تلك المقابلة انتهت بأمنية الطفلة اليتيمة لوالدها: "المرة القادمة راح تكون معنا يا بابا.."!.

مضى على تلك الكلمات أكثر من ستة أعوام، كانت جُمانة خلالها تحتضن صور والدها التي وضعت في معظم أرجاء المنزل؛ وبقي الأمل يحدوها في كل لحظة أن يتحرر ويعود لها، ويسندها في وجه الحياة القاسية التي وقفت تواجهها بسند من جدتها المُسنة، التي كانت تبيت في المستشفى لسوء حالتها الصحية باستمرار.

حان أخيرًا موعد اللقاء المنتظر بين جُمانة ووالدها صباح الثلاثاء منتصف يناير الجاري، لكن الاحتلال صدمها بنبأ إرجاء الإفراج؛ في وقتٍ كانت ترتدي فيه الثوب الفلسطيني المُطرز وذهبت لتقديم اختبار في كلية طب الأسنان، كي تتوجه للحاجز بعدها للقائه؛ لكنها عادت مكسورة الخاطر.

صباح اليوم التالي، بعد أن أبلغ محامي والدها بقرار الاحتلال الإفراج عنه، استفاقت على وقع الخبر بعجل وارتدت ثيابها وتوجهت لحاجز بيت حانون.

على ناصية ممرٍ يزيد عن كيلومتر، داخل الحاجز، مضت نحو 12ساعة من الانتظار، وهي تقف بجانب سياجٍ حديدي في الحاجز تنظر للممر الضيق، دون استكانة أو راحة، وأعينها شاخصة تجاه مكان خروج وعودة المسافرين، علَّها ترى في نهاية الممر نور والدها، يضيء عتمة 17عامًا من حياتها.

طوال تلك الساعات، كان الخوف والقلق يراود جُمانة من إمكانية تراجع الاحتلال مُجددًا عن قرار الإفراج عنه؛ حتى وصل بمركبة خاصة في الحاجز، لتركض مسرعةً تحتضنه، وهما يبكيان بحرقة، وتقبل يده وجبينه، وسط زحام المُستقبلين.

وأمسك الوالد بيد ابنته، وطأطأ رأسه يقبل والدته التي جاءت للحاجز على كرسيٍ مُتحرك ببكاءٍ شديد، وتعالت زغارديها؛ وهي تقول: "تسلم الأمانة يا أبو جُمانة تسلمها ألف مبروك يما"؛ فيما تعالت زغاريدها وكلمات الأهازيج التراثية الفلسطينية.

تقول جُمانة، لمراسل "صفا": "ما عرفت بابا بسهولة، لكن الكل ركض نحوه فور وصوله؛ فركضت وعانقته وأنا أبكي، فكان شكله يختلف كثيرًا عما رأيته في الصور؛ فشعره أبيض من الشيب، وبدا عليه الكِبر".

وتضيف جُمانة "مشاعري لا أستطيع وصفها؛ بقيت أمسك بيده وهو يمسك بي، ولم أتركه لحين وصلت المنزل، وشاركته فرحة التحرر، وأنا غير مصدقة أنه أصبح معي أخيرًا".

وتواصل حديثها "كل شيء حلمت أن يتحقق مع والدي سأحققه الأن، وسأبقى معه؛ صعب كثير هو شعور الحرمان من الأب والأم، لكن عوضني الله بأبي بعد التحرر".

أما والد "جُمانة"، فيقول في كلماتٍ قصيرة، لمراسل "صفا": "الحمد لله أن منّ علي بالفرج، مشاعر مختلطة أعيشها الأن؛ ما بين فرحٍ للقاء ابنتي الوحيدة وعائلتي وأقاربي وجيراني، وألم لما تركته خلف من معاناة لألاف الأسرى التواقين للحرية".

ويلفت إلى اللحظات الأخيرة، قائلا "حاول الاحتلال تأجيل الإفراج عني، محاولاً منع فرحتي، لكن هيهات له ذلك؛ فاليوم أفرح رغمًا عنه؛ مشاعري مختلطة، فرح بعد التعب والحرمان والشوق؛ ما بعرف شو أحكي، لكن أتمنى أن يعيش جميع الأسرى في سجون الاحتلال هذه اللحظات الجميلة؛ وحملني الأسرى أمانة إرسال رسالة الوحدة الوطنية للجميع".

ويضيف المحرر أبو جزر "عشت داخل سجون الاحتلال ظروفا ليست خاصة أو استثنائية، بل هي ظروف يعيشها جميع أبناء الشعب الفلسطيني، خاصة الأسرى، المحرومين من أبنائهم وعائلاتهم وأولادهم وزوجاتهم؛ اليوم احتضنت ابنتي للمرة الثانية في حياتها، وحرمت من زيارتي، سعيد جدًا أنني عدتُ لها".

وأصر المحرر أبو جزر قبل أن يتوجه لمنزله، أن يرافق ابنته وأقرباءه، لمقبرة عائلته بخان يونس؛ ليقرأ الفاتحة على قبر والده وزوجته وشقيقه، وزيارة معبر رفح البري الذي اعتقل من أمامه، وطلب أن يتجول في طرقات رفح.

"ها هي يا فرحتي هاليومي.. ها هي ما أدري علم ولا حلم في نومه.. ها هي يا كل المحبين أجو يهنوني ..."؛ بهذه الكلمات استقبلت مريم أبو جزر والدة الأسير نجلها، قائلة: "استلمت الأمانة (جُمانة) وهي في عمر أربعة أشهر وسلمتها لأبوها وهي دكتورة بالجامعة؛ حفظت القرآن وتعلمت اللغة الإنجليزية وتفوقت منذ المرحلة الأساسية حتى الثانوية؛ بفضل رعايتي ومحافظتي عليها".

وتقول لمراسل "صفا": "لا أحد يعيش فرحتي اليوم؛ طويت ملف المعاناة والأحزان؛ وألقيت به في البحر، وفتحت صفحة فرح جديدة فيما تبقى من عمري؛ أكبر فرحة لي اليوم هي أن يحتضن ابني ابنته التي حرمت منه، ويعوضها سنوات صبرها ومعاناتها".

ع ق/ط ع

الموضوع الســـابق

جامعات فلسطين تضخ آلاف الخريجين لمستقبل مجهول

الموضوع التـــالي

لصوص صرّافات الضفة ينشطون عند اقتحام الاحتلال وانسحاب الأمن


جاري تحميل الصفحة الرئيسة …
عاجل