الأخبار

أيمن عبد ربه.. بلمسات فنية يعطي للنفايات قيمة

26 تشرين أول / أكتوبر 2019. الساعة 02:24 بتوقيت القــدس.

تقارير » تقارير

تصغير الخط تكبير الخط

نابلس - خاص صفا

في سنوات الطفولة، حين كان أيمن يحيل علبة سردين إلى لعبة يلهو بها، سيارة أو جرار أو شاحنة، لم يكن يدري أنه يؤسس لفكرة إبداعية ستعطي قيمة للنفايات والمخلفات، وتجعلها مصدرًا للفرح والسرور بدل الكآبة والنفور.

اليوم، وبعد أربعة عقود قطع أيمن عبد ربه (46 عاما)، شوطًا كبيرًا على طريق تحقيق حلمه، وها هو يضع لبنة فوق أخرى على طريق إنشاء متحف ومعرض دائم لفن تدوير المخلفات البيئية في بلدة قوصين غرب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة.

في غرفتين كانتا قبل 18 عامًا "عش الزوجية" الأول لعبد ربه، قبل أن ينتقل للعيش بمدينة نابلس، يقف مزهوا وسط عشرات المنتجات التي صنعها من مخلفات بيئية على مدار تسع سنوات، ويرى فيها نواة مشروعه الكبير.

عبد ربه، وهو أسير محرر أمضى 14 عامًا في سجون الاحتلال حصل بعد الإفراج عنه من اعتقاله الثاني عام 2004 على وظيفة في مديرية سلطة جودة البيئة بنابلس من خلال برنامج تأهيل الأسرى المحررين.

ولم يشأ أن يجلس في بيته أو يمضي الساعات الطوال في مكان عمله دون القيام بعمل حقيقي، فتولدت لديه فكرة توظيف هوايته الفنية لخدمة رسالة الحفاظ على البيئة.

ومن هنا، بدأ بالبحث عن طريقة لتحقيق هذه الغاية، فكانت البداية بإعطاء محاضرات توعوية لطلبة المدارس حول الحفاظ على البيئة نظيفة.

ويقول عبد ربه لوكالة "صفا": "وجدت أن أسلوب المحاضرات النظرية ممل ولا يعطي النتيجة المرجوة، وكان لا بد من وسيلة عملية تفاعلية".

ألعاب تربوية

واهتدى عبد ربه إلى صناعة ألعاب تربوية من مخلفات من شأنها أن تعزز السلوك البيئي الصحيح لدى الأطفال.

في إحدى الألعاب، يحمل الطفل كرة مصنوعة من المخلفات، ويقذفها ككرة السلة باتجاه الهدف، لتسقط في حاوية أسفل الهدف، فيتعلم الطفل أن المكان الصحيح للنفايات هو الحاوية وليس الأرض.

وصنع عبد ربه أربع ألعاب تربوية، وتوجه لتجربتها في إحدى مدارس بلدة عصيرة الشمالية، يلاحقه الخوف من الفشل.

ويقول: "كان قلبي يخفق بشدة خوفًا من السخرية، ولم يهدأ إلا برؤية الفرحة ترتسم على وجوه الطلاب".

واستطاع أن يطور فكرته ويستحدث أفكارًا جديدة، وتتنوع منتجاته بـ5 مجالات رئيسية، هي: الألعاب البيئية التربوية، والوسائل التعليمية، وتشكيل المجسمات من عجينة الورق، والعبوات البلاستيكية، وإطارات الكاوتشوك.

ويبدع في تحويل الإطارات التالفة إلى مقاعد وطاولات وقارورات للزراعة، أما العبوات البلاستيكية فيصنع منها زهورًا تدخل البهجة في النفوس.

ويسعى عبد ربه لنقل خبرته إلى أكبر عدد ممكن، وخلال تسع سنوات حيث قدم أكثر من 662 دورة ونشاطا تدريبيًا، استهدف فيها قرابة 30 ألفا من طلبة المدارس والجامعات وربات البيوت ومعلمي المدارس ومهتمين من مؤسسات بيئية وثقافية وجمعيات نسوية.

ومن خلال ما ينشره على حسابه بـ"فيسبوك" استطاع نقل الفكرة إلى دول عربية عديدة، كالعراق والجزائر ومصر، وقدم دروسا لبعض المدارس هناك عبر فيسبوك.

مدرسة السجن

ويشير عبد ربه إلى أن الخبرة التي يوظفها في تدوير المخلفات لم يكتسبها من دورات تدريبية، بل من سنوات اعتقاله الطويلة.

ويقول لوكالة "صفا": إنه "في الفترة التي أمضيتها بالسجن طوال عقد التسعينات كنا نمضي وقتنا في صناعة التحف والهدايا، عبر تدوير المخلفات من ورق وقصدير ومعلبات ونوى زيتون وغيرها، لنخرجها مع ذوينا خلال الزيارة".

ويبين أن الكثير من الأسرى استفادوا من المهارات الفنية التي اكتسبوها داخل السجون، وصارت مصدر رزق لهم بعد نيلهم الحرية.

لكن عبد ربه يرفض أن يستثمر مهارته لتحقيق مكسب مادي، فهو يؤمن بأنه يحمل رسالة، وهي المساهمة بتخفيف التلوث في البيئة.

ويفتح عبد ربه معرضه أمام الزوار من المدارس وغيرهم بشكل مجاني، ولا يمانع في استيعاب منتجات بيئية ينتجها غيره مع احتفاظهم بحقوقهم الفكرية.

وتبلغ مساحة المعرض الحالي 80 مترًا مربعًا، ويمكن زيادة مساحته إلى الضعف بتوظيف المساحة المحيطة بالغرفتين، إضافة إلى طابق تسوية بمساحة 100 متر مربع، لو توفرت الإمكانات المادية.

كما يملك قطعة أرض مجاورة مساحتها 700 متر مربع يحلم بتحويلها إلى حديقة بيئية تستقبل الأطفال وطلبة المدارس والزوار من مختلف المحافظات.

ويقول: "حلمي أن يكون هناك معرض دائم للتدوير في فلسطين بمواصفات عالمية، وفي موقع متوسط ليكون مقصدا للمعلمين والطلاب والمهتمين".

غياب الدعم

لكنه يشكو غياب جهات تقدم دعمًا ماديًا للأفكار الإبداعية في فلسطين، ويلفت إلى أن الجهات التي ترفع شعار رعاية الإبداع والمبدعين تُحيل المبدعين إلى مؤسسات الإقراض، أما مؤسسات القطاع الخاص فلا تؤمن بفكرة العمل التطوعي المجاني، وتريد تحويله إلى مشروع استثماري يدر عليها الربح المادي.

ورغم الدعم المعنوي الكبير الذي يحصل عليه من مؤسسته وزملائه في العمل، إلا أن غياب المخصصات يجعل مهمته أصعب.

ففي كل مرة يتوجه لعقد دورة في مدينة أخرى أو قرية بعيدة، يضطر لحمل حقيبة كبيرة تحتوي كل المعدات والأدوات التي يستعملها، وأحيانًا يسير بها ماشيًا مسافات طويلة.

ورغم كل الصعوبات، يبدو عبد ربه مصرًا على إكمال مشروعه، حتى لو اضطر لادخار ثمن الفطور اليومي أو التوجه إلى مكان عمله والعودة لمنزله مشيًا على قدميه يوميًا.

تسع سنوات من الجهد والعمل أورثت عبد ربه الكثير من العلل والأمراض، لكنه يفخر بأنه استطاع أن يترك أثرًا بيئيًا ملموسا رغم عدم امتلاكه شهادات جامعية، ويكفيه رؤية أحد طلابه وقد أبدع بفن التدوير لكي ينسى كل همومه وآلام جسده.

غ ك / د م/م ت

الموضوع الســـابق

أول فريق كروي لمبتوري الأطراف من الأطفال بغزة

الموضوع التـــالي

الحركة الثقافية بالقدس.. بين مطرقة اتفاقية أوسلو وسندان شح الدعم الرسمي

جاري تحميل الصفحة الرئيسة …
عاجل