الأخبار

أنشأت مؤسسات بحثية لذلك وتستغل "الانقسام"

مؤرخ لصفا: "إسرائيل" تمارس عمليات اغتيال "معنوي" لقيادات وازنة

16 تشرين أول / أكتوبر 2019. الساعة 11:53 بتوقيت القــدس.

تقارير » تقارير

المؤرخ غسان وشاح
المؤرخ غسان وشاح
تصغير الخط تكبير الخط

غزة - خاص- صفا

أكد مؤرخ فلسطيني أن "إسرائيل" توجهت في الحقبة الأخيرة للاعتماد وبشكل كبير على الاغتيال المعنوي لرموز وقيادات المقاومة الفلسطينية سواءً المتواجدين داخل الأراضي الفلسطينية أو خارجها، لمحاولة النيل من هذه الرموز، معتبرًا أن عدة عوامل؛ أبرزها تواطؤ بعض الشخصيات والأقطاب الفلسطينية ساهمت في تمرير عمليات الاغتيال هذه.

المؤرخ غسان وشاح تحدث في حوار خاص موّسع مع وكالة "صفا" حول عمليات الاغتيال المعنوي التي تمارسها "إسرائيل" ضد شخصيات ومنظمات فلسطينية تشكل رموزًا وطنية لدى الشعب الفلسطيني.

والاغتيال المعنوي هو أحد أهم أركان العمل النفسي المعادي الذي تمارسه "إسرائيل" ضد الفلسطينيين على مدار التاريخ، وتستخدمه ضد شخصيات أو أفراد، مستهدفة التأثير على دورها في مشروع المقاومة أو التأثير على قدرتها في اتخاذ القرار، أو لتحويلها من شخصية إيجابية في مشروع المقاومة إلى شخصية سلبية.

وشاح قال خلال حواره إن "إسرائيل" تريد من هذا النوع من الاغتيال المتصاعد استخدامه خلال السنوات الأخيرة تدمير مصداقية وسمعة شخصيات وطنية كبيرة لها تاريخ في المقاومة الفلسطينية وتأسيس قواعدها.

أبرز ما جاء في الحوار مع وشاح:

س: ما هو الاغتيال المعنوي وهل تعتبره "إسرائيل" ركنًا أساسيًا في محاربة المقاومة الفلسطينية؟

الاغتيال المعنوي هو عملية اغتيال زمنية مستمرة تهدف للنيل من مصداقية وسمعة شخص أو جهة بعينها، وهو يختلف عن الاغتيال الجسدي الذي ينتهي لمجرد تصفية الشخص، فيما المعنوي يستمر عبر أساليب سرية أو علنية سواء عبر نشر الشائعات وترويج الاتهامات الكاذبة أو تأسيس مؤسسات بحثية وأجهزة وتوظيف أشخاص للبدء بعملية استهداف الشخص.

نعم "إسرائيل" تعتبر هذا النوع من الاغتيال ركنًا أساسيًا، بل إنها اعتمدت عليه منذ الانتداب البريطاني لأرض فلسطين وتحديدًا عام 1917، لكن ليس بمستوى الاغتيال التقليدي الجسدي الذي يعتمد على القصف وما شابه.

الاغتيال المعنوي مورس قديمًا بشكل ضيق، لكن نلاحظ حاليًا أنه أصبح على نظام أوسع نتيجة للتقدم التكنولوجي خاصة شبكات التواصل الاجتماعي المنتشرة بين معظم أبناء الشعب الفلسطيني، وفي ظل الحصار والوضع السياسي المتدهور في الأراضي الفلسطينية، وهي عوامل شكلت أرضًا خصبة لـ"إسرائيل" لتمارس اغتيالها المعنوي لعدد من رموز المقاومة خاصة بغزة.

س: لماذا عمدت "إسرائيل" إلى استخدام هذا الأسلوب ؟

هذا لأن نظام الحروب في التاريخ يتطور، فقديمًا كانت تعتمد بامتياز على السلاح الأبيض ثم تطورات لإطلاق النار، ونحن الأن في الجيل الرابع من الحروب، وأحد أدواته هي القتل والاغتيال المعنوي.

س: على ماذا تعتمد "اسرائيل" في تنفيذ القتل المعنوي بشكل أساسي؟

هذا النوع يقوم على نقطتين الأولى هي تهديد الدائرة الضيقة الملازمة للشخصية مثل تهديده بالقتل أو أحد أقاربه أو أبنائه، والثانية: الاستهداف الشخصي له عبر شبكات التواصل الاجتماعي وعي عملية تتم بطريقتين، الأولى إنشاء صفحات وهمية من أجل نشر الأكاذيب والإشاعات والاتهامات لهذا الشخص، والثانية وهي مكلفة لكن الاحتلال يعتمد عليها حاليًا وهي: إنشاء مؤسسات بحثية تعمل في هذا الإطار والتي توظف بدورها باحثين لأخذ معلومات دقيقة حول كل شخص وترويجها عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل.

س: قلت إن "إسرائيل" مارست الاغتيال المعنوي منذ القِدم، متى تحديدًا وهل لك أن تسرد نماذج تم اغتيالها تاريخيًا؟

الاغتيال المعنوي أصبح متداولا عام 1930 وهو مستورد من أوروبا، وانتقل إلى منطقة الشرق، لكن "إسرائيل" مارسته قبل هذا العام.

ففي عام 1917 قام المندوب السامي البريطاني وقائد القوات البريطانية في فلسطين بتعيين الحاج أمين الحسيني مرافقًا شخصيًا له، وكان الحسيني شخصية مؤثرة من عائلة مؤثرة جدًا خاصة والده وأخوه كامل الحسيني، وأراد المندوب من هذا التعيين أن يغتاله معنويًا ليجعله من وجهة نظر الناس عميلا للانتداب البريطاني، لكن الحسيني كان فطِنًا ويقِظًا وتنبّه لهذه المحاولة بعد أقل من ثلاثة أشهر على التوظيف وتركه فورًا.

 أيضًا الاحتلال الإسرائيلي حاول اغتيال مؤسس حركة المقاومة الإسلامية "حماس" الشيخ أحمد ياسين معنويًا في أواخر الثمانينات، حينما وجهت "إسرائيل" له تهمة حيازة كمية كبيرة من الأسلحة وهي بالفعل كانت موجودة وهدفها محاربة "إسرائيل"، لكن الاحتلال روّج أن هذه الأسلحة تمت حيازتها لاستخدامها ضد حركة فتح.

س: بالنسبة للاغتيال المعنوي حديثًا، هل هناك شخصيات استهدفتها أو لا تزال "إسرائيل" بهذا الأسلوب من القتل؟

نعم هناك عمليات اغتيال معنوي لشخصيات وازنة وكبيرة في المقاومة الفلسطينية بدأت ولا تزال مستمرة، وأكبر مثال عملية استهداف القيادي في حركة حماس محمود الزهار، فقد نشرت "إسرائيل" سابقا وضمن مخطط لاغتياله معنويًا صورة له مع قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال، وهذا الاجتماع في الحقيقة قديم وكان لوجهاء مدينة غزة، وكان الزهار رأس حربة في مواجهة ما يسمى بقائد المنطقة الجنوبية، وكان من وجهائها الكبار، وكان قائد المنطقة الجنوبية ميجر جنرال حينما تحدث أي أحداث بغزة يجمع كل مخاتير ووجهاء غزة ليحمّلهم المسئولية تجاه هذه الأحداث، لكن جهاز المخابرات الإسرائيلية استّغل هذه الصورة لاغتياله معنويًا والترويج أن هناك اجتماعات ومفاوضات بين قيادات حمساوية وإسرائيلية.

 والأمر كذلك يتعلق بالقيادي في حركة حماس "فتحي حماد" وهو من أكثر الشخصيات التي تعرضت ولا تزال للاغتيال المعنوي، وقد تم تصدير اسمه على قائمة الإرهاب الدولي، وهذا ضمن أساليب الاغتيال المعنوي، إضافة لاستهدافه بفيديوهات حاولوا من خلالها استغلال أي ثغرة له للطعن به والتدليس.

كما تمارس "إسرائيل" الاغتيال المعنوي ضد قائد حركة حماس إسماعيل هنية، عبر بث الاشاعات التي تنال من شخصه وعائلته، وهي وسيلة مبالغة تنتهجها "إسرائيل" تجاه قادة حماس وتهدف جميعها للاغتيال المعنوي لهذه القيادات.

لا ننسى أن الاغتيال المعنوي يستهدف شخصيات في الخارج والداخل، ومن أكثر من يتعرض لهذا النوع هو القيادي الأسير حسن يوسف، الذي مارست مخابرات "إسرائيل" كل أساليب هذا النوع من الاغتيال تجاهه باستهداف كافة أفراد أسرته، خاصة نجليْه.

ماذا تريد "إسرائيل" من هذه الاغتيالات المكلفة كما أسلفتْ، رغم قدرتها على تصفية قيادات دون الاكتراث لأية تبعات؟

هم يريدون أن يرسخوا أن أبناء الشعب الفلسطيني يتميزون بالفساد، بمعنى أن الهدف هو "إذا أردت أن تكون مواطنًا صالحًا عليك أن تبتعد عن الوطن والوطنية والفصائل الفلسطينية، ثانيًا تريد "إسرائيل" سحب مصداقية هذه الشخصيات عند أبناء الشعب الفلسطيني، حتى لا تستطيع أن تؤثر فيه وتوجه له البوصلة، فيصبح الشعب وكأنه يعيش في غابة توجهها إشاعات الاحتلال الإسرائيلي.

هل تعتبر صفحة المنسق لأعمال حكومة الاحتلال الاسرائيلي أحد أساليب وأوجه الاغتيال المعنوي؟

صفحة المنسق والدعاية التي يمارسها هي أداة فعلية للاغتيال المعنوي، ونحن نقول علينا ألا نثق في الصفحة وفي كل دعاية ينشرها لأنها تستهدف الإساءة لقيادات ونضال الشعب الفلسطيني.

قلت سابقا إن هناك بعض الجهات نشرت إشاعات روّجها جهاز المخابرات الإسرائيلي حول بعض الشخصيات، هل هذا يعني أن الاختلاف السياسي أو حالة الانقسام ساهم في أن تتماشى بعض الجهات مع هذا النوع من الاغتيال؟

حالة الانقسام أرض خصبة للإشاعة، بمعنى وعلى سبيل المثال ما تواجهه حركة حماس حاليًا فهي لا تواجه الاحتلال الإسرائيلي فقط، وإنما أصبحت تواجه الألة الإعلامية لحركة فتح والسلطة الفلسطينية التي أصبحت آلة وماكينة إعلامية تشوّه وعلى مدار 24 ساعة صورة حركة حماس، لدرجة أن هناك تبريرا من إعلام السلطة الفلسطينية لقصف غزة في كثير من الأحيان وهذا محزن جدًا.

من الصادم أيضًا أن بعض العملاء الذين تم القبض عليهم خلال وبعد عدوان "إسرائيل" على قطاع غزة عام 2014 اعترفوا أنهم قدموا معلوماتهم لرام الله وليس للاحتلال الإسرائيلي، ظنًا أنه يقدم معلومات لفصيله حول حماس، وهو لا يدري أن يقدمها للاحتلال، هذا التناقض بين أبناء شعبنا أوصلنا إلى هذا.

س: هل هناك فرق بين الأثر الذي يتركه اغتيال الشخصية "المعنوي" والاغتيال الجسدي لأي رمز أو شخصية وطنية؟

بالتأكيد، نحن قلنا إن الاغتيال المعنوي هو الأخطر لأن الجسدي وبمجرد قتل الشخصية المستهدفة يُصبح صاحبها شهيدًا وبطلاً وقائدًا وبتم تدريسه في الجامعات والمدارس والمناسبات الوطنية، لكن إذا قُتل الشخص عبر تصدير الاشاعات المتعلقة بالفساد والخيانة، فهذا ربما يستمر لقرون عديدة حتى بعد أن يموت هذا الشخص.

كثير من الشخصيات تم اغتيالها معنويًا وأصبحت شخصيات ملعونة أمام الجماهير.

ما المطلوب لكي نواجه هذا النوع من السلاح؟

يجب أن نعمل بكل قوة على إعداد ميثاق شرف بين الفصائل الفلسطينية ينص على أن تكون الخصومة والخلاف شريفيْن ويتحدد فيه سقف أعلى وأدنى للحديث عن قادة أي فصيل، كما يجب ألا ينحدر أي قائد أمام الإعلام وينال من شخص وذات قيادي بأي فصيل أخر.

كما يجب لمحاربة الاغتيال المعنوي تكثيف عمليات التوعية في المدارس والجامعات بالتحذير والتثقيف بخطورة هذا السلاح الفتّاك.

ثالثاً أعتقد أنه مطلوب من إدارة غزة والضفة تشكيل جهاز رقابي على الحكومة ومتابعة عمليات الفساد كي لا يتم استغلالها وحتى لا تتفشى.

ر ب /ع ق

الموضوع الســـابق

الأسيرة المحررة "الحلبي" تطوي برحيلها تاريخا نضاليا حافلا

الموضوع التـــالي

هبة اللبدي: اشبعوا باعتقال جثتي إداريًا

جاري تحميل الصفحة الرئيسة …
عاجل