الأخبار

قصة بطلتها الفنانة آية عبد الرحمن

"من غزة إلى قبرص".. لوحات فنية تطارد السرطان

07 نيسان / أبريل 2019. الساعة 09:24 بتوقيت القــدس.

تقارير » تقارير

تصغير الخط تكبير الخط

غزة/ قبرص - هاني الشاعر – صفا

ربما يكون كل الأشخاص معرضون لمداهمة مفاجئة من مرض السرطان، لكن البعض يستسلم له دون مقاومة، فيما يقاومه آخرون ويستمرون بحياتهم، وينتصرون.

الفنانة التشكيلية آية عبد الرحمن (30 عامًا)، من غزة، واحدة ممن داهم جسدهم المرض "الخبيث" قبل نحو عشر سنوات، لكنها لم تستسلم له.

عاشت عبد الرحمن صراعًا قويًا مع المرض الذي يحتاج طاقة هائلة لتحمله، واستمرت في عملها الفني حتى وهي على فراش المرض.

ووفق أرقام رسمية، فإن عدد النساء المصابات بمرض السرطان في غزة يبلغ 4705 سيدة، ويُشكلن 55.3% من إجالي الحالات.

رحلة علاج مريرة عاشتها الفنانة التشكيلية منذ عقد من الزمن متنقلةً بين مشافي قطاع غزة والمستشفيات الإسرائيلية، أجرت خلالها ثماني عمليات مُعقدة للسيطرة على المرض حتى وصلت لاستئصال كلية من جسدها، وعاشت بواحدة منذ 2015 قبل أن تفشل مؤخرًا.

وطوال هذه الفترة من المعاناة كانت آية مستمرة في عملها الفني، متناسية ذاك الوجع.

غير أن آية لم تعلم أن تناسيها للوجع لم يُنسِ المرض الخبيث مواصلة التوغل في جسدها؛ فبدأ ينحل جسدها في ظل انسداد الأبواب وتنصل وزارة الصحة من تحويلها للعلاج بالخارج.

بعد عناء طويل، نجحت الفنانة التشكيلية بالسفرِ عبر حاجز بيت حانون/إيرز لجزيرة قبرص قبل عام لإكمال العلاج؛ وساعدها في السفر حملها الجنسية القبرصية.

رحلة الغربة والمرض

وما إنّ وصلت آية لقبرص حتى شعرت بخوفٍ شديد، كما تصف لمراسل "صفا" خلال محادثة إلكترونية؛ بعدما تفاجأت بمجتمعٍ غريب، ولغةٍ لم تسمعها من قبل، وهي فتاة لوحدها.

لكن سرعان ما وجدت "آية" نفسها متأقلمة مع الواقع؛ بسبب التعامل الحسن من الأطباء، الذين أشعروها وكأنها في منزلها، كما تقول.

كانت الجرعة الأولى من العلاج "الأصعب في حياتها"، وكادت أن تودي بها، حتى أنّها استغاثت تطلب قدوم والدتها من غزة إلى قبرص، وهو ما كان، إذ وصلت والدتها برفقة والدها وإخوتها.

جلبت العائلة معها "الحل السحري" الذي حسّن من نفسيتها خلال تلقيها العلاج، وهو عبارة عن لوحات وألوان وريشة، وأخذت ترسم كل ما يجول في خاطرها، وتعتبره الفنانة ذلك "رأس مالها وأملها في الحياة".

توقفت آية عن الحديث، وطلبت من مراسل "صفا" منحها وقتًا على أن تعود وتستكمل الحديث معه كتابة.

بعد ساعات عادت آية واتصلت بالمراسل وأبلغته بصوت بالكاد يُسمع أن المرض تسبب بإصابتها بشلل وصل صدرها، ويضغط حاليًا على قدمها التي تورمت بشكلٍ كبير، وأنها لا تستطيع التحدث، وتأخذ علاجًا "تبخيرة" أربع مرات يوميًا، ولا يمكنها الحركة من سريرها بالمطلق.

عندما وصلت الفتاة إلى قبرص أوقف الأطباء عنها كل الأدوية التي كانت تتلقاها، وأخبروها أنها ليست بحاجة لزراعة كُلى، وبدأوا معها علاجًا إشعاعيًا وكيماويًا، لكن ذلك كان بعد أن وصل المرض إلى العامود الفقري والكلى والكبد، وبدأ يضغط على قدميها.

عمد الأطباء على تغيير نوع العلاج الكيماوي كل ثلاثة أشهر، وذلك شيء مرهق وغير محتمل بالنسبة لآية، ولم يمنع ذلك العلاج حدوث شلل سفلي معها، وصعوبة في التنفس.

وقع الهاتف من يد آية التي عادت وحملته معتذرة عن عدم مقدرتها على الكتابة طويلًا، قائلة "كلما تحركت أشعر بوجع كبير، وعندما أرسم أنسى كل شيء والوقت يمضي مسرعًا".

"كلما أفكر بلوحة أشعر أن العمر أمامي طويل، وأن أمامي هدف ما زلت على قيد الحياة لأجله، ومهمة لم أنهها بعد"، تقول آية.

معرض وإقبال

وبينما هي على سرير المرض، باشرت آية رسم طبيبتها "أوزليم" التي أحبتها كثيرًا والطاقم الطبي من الممرضين في المستشفى الحكومي القبرصي الذي تتلقى فيه العلاج.

وحازت اللوحات على إعجاب الطاقم الطبي، و"كان الكل يتوافد إلى غرفتي للتعرف عليّ والتقاط الصور معي، وكنت سعيدة للغاية"، تضيف آية.

وأطقت آية منذ نحو عام مشروع رسم تجسّد فيه رحلتها من "غزة إلى قبرص" وأحلامها كفتاة.

فبجانب تجسيدها للتراث الفلسطيني من خلال ثوب فلاحي والمسجد الأقصى، رسمت آية مسجد السليمانية الشهير بقبرص، كما رسمت "أفروديت" وهو من الأساطير اليونانية، وقلعة هيلاريون.

وخلال عام من العلاج أنتجت الفنانة التشكيلية 31 لوحة فنية عُرضت في معرضٍ داخل المستشفى الذي تتعالج فيه، بجانب أعمال لسبعة فنانين آخرين.

تقول آية وهي تلتقط أنفاسها من شدة المرض ومضاعفاته إن "الطبيبة المعالجة هي التي شجعتها على إقامة المعرض الذي نال إعجاب الجميع، بمن فيهم زوجة الرئيس القبرصي ووزير الصحة والشخصيات الاعتبارية التي شاركت في الافتتاح، والجماهير التي زارته مطلع إبريل الحالي".

"قلبي كاد يتوقف من الفرح والسعادة وكدتُ أطير من سريري الذي أصبحت أسيرته!"، تلك الكلمات لخصت بها شعورها وهي تشاهد الجماهير والشخصيات تتهافت على معرض لوحاتها بكثرة.

شاركت آية بمساعدة من والدتها في حفل الافتتاح وشرح محتوى الصور للزوار؛ لكنها لم تُخفِ حزنها رغم ذلك لأنّها كانت تتمنى أن ترى أصدقاءها من غزة حولها في تلك اللحظات.

وتضيف "اسم فلسطين أنعش قلبي كلما كنت أسمعه من الزوار".

مسيرة حافلة بالإنجازات

واكتشفت آية موهبتها في الرسم منذ الصف الرابع الابتدائي، وشاركت في أول معرض عبر لوحة فسيفساء من خلال مركز "حرفة" بالتنسيق مع الجامعة الإسلامية وهي في الصف الخامس، وواصلت مسيرتها الفنية حيث شاركت في أكثر من 30 معرضًا داخل غزة وخارجها، منها معارض شخصية باسمها، تحاكي الفن التوثيقي والتعبيري.

ورغم الحالة المرضية الصعبة التي تعاني منها، إلا أنها تعكف على تطوير نفسها في الفن الواقعي.

ومن ضمن المعارض الفنية لآية: "قباب القدس" ويحاكي الحرم القدسي"، و"كونسيرت" وهو الإنسان القوي الذي يعتبر سفيرًا لنفسه، و"كيف تعيش سعيدًا"، وجسدت خلاله شخصيات فنية كأم كلثوم وغيرها، و "قص الشعر إجباريًا" وهو معرض يجسد قصة فتاة حقيقية مصابة بمرض السرطان وتتعالج من عمر شهرين حتى أربع سنوات وتحلم أن ينبت برأسها الشعر، و "أرض وشعب" يجسد الحياة الفلسطينية.

وقبل سفرها للعلاج، أقامت والدتها لها روضة لعلاج الأطفال عبر الفن، "وكانت تجربة رائعة في حياتي، حتى سيطر المرض على جسدي ولم أستطع أن أكمل المشوار معهم".

ومن وجهة نظر الفنانة فإن الفلسطينيين خير سفراء لبلدهم في الخارج، ولديهم من الإبداع ما يكفي لتحقيق ذلك، لكنها تشير لوجود "جهل كبير في المجتمع العالمي عن القضية الفلسطينية"، وهو ما يحتاج من الفلسطينيين لبذل جهد أكبر.

لا تحلم آية بشيء كبير، غير أنها تتمنى أن تكون أوصلت رسالتها كفنانة فلسطينية إلى العالم، وأن يتحقق طموحها في الشفاء من مرضها، لتصبح فنانةً كالفنانين الفلسطينيين فتحي غبن، وتمام الأكحل.

هـ ش/ع و/ أ ج

الموضوع الســـابق

تحليل: 6 رسائل حملتها الحشود الجماهيرية بـ"مليونية العودة"

الموضوع التـــالي

​الحصار يفترس ثالث حديقة حيوان في غزة

جاري تحميل الصفحة الرئيسة …
عاجل