web site counter

اشتية: "إسرائيل" لم تلتزم بشيء من اتفاق باريس

"أوسلو وباريس".. تأسيس لاقتصاد فلسطيني يقتات على المساعدات والضرائب

غزة - خــاص صفا

26 سنة من النضال قضاها الفلسطينيون لانتزاع حقهم في بناء دولة قائمة على مؤسسات واقتصاد مستقل منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، إلا أن عددًا مُماثلاً من تلك السنوات كان لا بُد للفلسطينيين تجرّعها أيضًا بعدما "أخفق" اتفاق أوسلو في خلق كيانٍ اقتصادي مستقل لصالحهم، ليبقيهم رهينةً للمساعدات الخارجية والاعتماد على الجباية والضرائب من مواطن مُرهق أصلاً.

لكن نصف قرنٍ من ذلك الطموح لم يكن لينتهي إلى تحقيق الحلم باقتصاد وطني فلسطيني واعد، -رغم قلة الموارد الاقتصادية نسبيًا لدى الفلسطينيين-إلا أن هذا الفشل الاقتصادي ما زال ماثلاً كما تُظهره التقارير الاقتصادية المحلية والدولية، ويحتاج عشرات السنوات لإصلاح ما أنتجه "بروتوكول باريس" الاقتصادي-الوليد المُشوّه لاتفاق أوسلو.

وبرأي مختصين في الاقتصاد تحدثت إليهم وكالة "صفا"، فإن اتفاق أوسلو وبرتوكوله، صنعا من الاقتصاد وترًا حسّاسًا كان لصالح الاحتلال الإسرائيلي تمامًا، إذا ما قورن بما جلبه للفلسطينيين، مُخلفًا لهم اقتصادًا رهينًا بقرارات الاحتلال، وليس اتفاقًا بين طرفين متنازعين يضمن المساواة على أقل تقدير.

الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم يعتقد أن الاتفاقين "الأم والابن" (أوسلو وبروتوكول باريس) ولّدا اقتصادًا يعتمد كليًا على جباية الضرائب وتلقي المساعدات من الخارج، رغم أن تلك المساعدات تراجعت 25% عمّا كانت عليه عام 2008 مثلاً. (1.8 مليار دولار – 700 مليون).

ويرى أن تلك الاتفاقية كانت مقرّرة أن تُعيد تثبيت الأوضاع الاقتصادية لـ"الدولة الفلسطينية" في فترة زمنية لا تزيد عن خمس سنوات، إلا أن تلك الفترة مستمرةٌ حتى الآن في اقتصاد يزداد ارتباطًا بالاحتلال الإسرائيلي، ومستمر لفترة زمنية فاقت 5 أضعاف تاريخ صلاحيته الفعليّ.

ذلك البروتوكول لم يكُن محلّ الانتقاد المحليّ فحسب؛ فقد دعا البنك الدولي في تقريرٍ له قبل عامين إلى تعديلها لـ"وقف الخسارة السنوية التي تلحق بالسلطة الفلسطينية والبالغ قيمتها 285 مليون دولار سنويًا، وعجزٍ كليّ سجّل 1.5 مليارًا دولار".

ويقول الخبير إن إحدى ثمار الاتفاقية أسس لاعتماد السوق الفلسطيني المحلي المنزوع من النمو على مثيله الإسرائيلي مع فارق مستوى الدخل بين المستهلكين الفلسطيني والإسرائيلي، وبالتالي إضفاء مزيدٍ من تكاليف الحياة اليومية على الأول.

وفيما يتعلق بإيرادات الضرائب، فقد أظهر تقرير الميزانية الصادر عن وزارة المالية حديثًا، أن إجمالي تلك الإيرادات المجباة محليًا وعبر "إسرائيل" بلغت نحو 2.5 مليار شيكل خلال أول شهرين من العام الجاري.

وتُشير التقديرات إلى أن حجم العوائد الضريبية الشهرية المفروضة على السلع عبر المعابر بنحو 170 مليون دولار، أي نحو 45% من موازنة السلطة وتغطي مجمل فاتورة الرواتب لموظفي السلطة.

يُذكر أن إجمالي صافي الإيرادات المالية للحكومة في 2017 بلغت 13.7 مليار شيكل تشمل الإيرادات الضريبية وغير الضريبية، فيما تشكل الإيرادات الضريبية ورسوم المعاملات الحكومية، ما نسبته 80% من إجمالي الموازنة الفلسطينية للعام الجاري، وما نسبته 20% تكون منحًا خارجية.

تقييدات كبيرة جدا

ويتفق معه أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة الأزهر مُعين رجب أن بروتوكول باريس قدّم هدايا مجّانية لـ"إسرائيل"، عبر استحواذها على كل المقومات الاقتصادية ونزع كل شيء من نظيره الفلسطيني.

وبحسب رجب، لم تُثمر "باريس" عن إيجابيات لصالح السُلطة إلا في نطاقات ضيقة جدًا؛ تمثّلت في الضرائب المباشرة والإشراف على البنوك، في حين أن التقييدات كانت كبيرة جدًا كحرمانها من إصدار نقدٍ خاصٍ بها، عدا عن قيود الواردات والصادرات وحركة الأيدي العاملة وفرض أسعار مشابهة لما يُعرض على رفوف المتاجر الإسرائيلية مع فارق مستويي المعيشة.

ويبلغ الناتج المحلي الفلسطيني نحو 6.7 مليار دولار، في حين أن نظيره الإسرائيلي يفوق ذلك الرقم بـ40 ضعفًا، فيما بلغ معدل دخل الفرد 1679 دولارًا في الأراضي الفلسطينية، أما في "إسرائيل" فقد سجل 20 ضعف ذلك الدخل.

ويرى رجب أن السلطة فوّتت على نفسها عدة فرص لـ"الإفلات" من تقييدات البروتوكول، أقلّها بإقامة منطقة تجارة حدودية حرّة بين قطاع غزة ومصر بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة قبل 13 سنة. "لكن الخطأ تكرر من جانب السلطة بتوقيع اتفاقية المعابر رغم الانسحاب في 2005".

وبحسب الخبير، فإن "الإفلات" من هذه الاتفاقية يتطلب إعادة لصوغ العلاقة الاقتصادية بين السلطة و"إسرائيل" لتقليل أزمات احتجاز أموال الضرائب الفلسطينية ووضع حدٍ لـ"الارتباط الوثيق" بين الاقتصاديْن.

يدر لخزينة جيش الاحتلال

وبحسب تقديرات، فإن 80% لـ85% من تلك العلاقة قائمة على الاحتكار لصالح الطرف القوي في العملية، فيما تُدخل هذه الاتفاقية أكثر من 300 مليون دولار سنويًا في خزينة وزارة جيش الاحتلال، ما يجعل "إسرائيل" لن تُعيد النظر في بنود الاتفاقية، وهو ما أكده قبل 7 سنوات وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك (وزير الجيش حاليا) أفيغدور ليبرمان حين قال "لن نُغيّر حتى فاصلة واحدة من الاتفاق".

لذا، فـ"الهروب" من تبعات أوسلو اقتصاديًا-بحسب رجب-يمكن عبر توفير قاعدة إنتاجية تعتمد على الاستثمار الحقيقي وليس بيعًا للأوهام وتبني منظومة إصلاح اقتصادي شاملة تدعم القطاعات الإنتاجية كالصناعة والسياحة والزراعة.

رئيس المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار محمد اشتية قال في تصريحٍ الشهر الماضي إنه لم تكن هناك رؤية فلسطينية جدية لإنهاء العلاقة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، رغم إدراكنا أن اتفاق باريس يكبل اقتصادنا، ومع ذلك بقيت السُلطة ملتزمة به في وقت لم تلتزم "إسرائيل" بشيء منه. لذا، "لا يمكن معالجة الملف الاقتصادي بمعزل عن بقية الملفات السياسية والأمنية، وقرارنا أن نذهب لانفكاك تدريجي متدحرج من البروتوكول".

/ تعليق عبر الفيس بوك