ما إن تبزغ أشعة الشمس، ينطلق الطفل حسين وائل النجار (16عامًا) على ظهر عربة يجرها حمار، قاصدًا مكان عمله اليومي، وسط المكرهة الصحية الأكبر في قطاع غزة، مكب النفايات الواقع على الحدود الشرقية لمحافظة رفح جنوبي قطاع غزة.
النجار الذي يقطن بلدة خزاعة الحدودية، الواقعة شرقي محافظة خان يونس، يقطع يوميًا مسافة سبعة كيلو مترات على الأقل ذهابًا ومثلها إيابًا، برفقة عدد من أقربائه متفاوتي الأعمار، بحثًا عن لقمة العيش، المُغمسة بالمرار وخطر الموت في أي لحظة.
ينحدر الطفل من أسرة مكونة من عشرة أفراد أكبرهم يبلغ من العمر 17عامًا، وأصغرهم عاما ونصف، يقطنون داخل منزلٍ شُيد قبل أشهر، بعد أن تعرض للتدمير الكُلي، خلال العدوان الإسرائيلي الأخير عام 2014م الذي طال بلدته، ودمر بها أكثر من "400منزل" بشكلٍ كامل وفق إحصائيات البلدية.
أُجبر على الدفع بطفولته والالتحاق بعملٍ شاق، وهو سن الثانية عشرة من عمره، عندما هجر مقعده الدراسي قسراً وهو في نهاية الصف الرابع، وعبر لسوق العمل من أقسى أبوابه، من خلال العمل في جمع الخردة من المُخلفات، التي يتم إلقاؤها بكميات هائلة جدًا في مكب النفايات الرئيس جنوبي القطاع.
لا يُطيق أحد الاقتراب من ذاك المكب المرتفع، البالغ مساحته عشرات الدونمات، من شدة الروائح الكريهة المنبعثة منه، بسبب سكب النفايات بشكل غير علمي، وإشعال النيران به لحرق النفايات على مدار الساعة، والتي تتسبب بسحابة دخان كبيرة تُرى من مسافاتٍ بعيدة من شدتها وكثافتها.
"حسين" يغوص بجسده وسط تلك الأكوام أكثر من ست ساعات يوميًا، لالتقاط لقمة العيش؛ برفقة زملائه "النباشين" الذي يبحثون عن الخردة "البلاستك، الألمنيوم، الحديد.."، ويقتاتون من وراء بيعها.
تبدأ ذروة المعاناة عند صعود الطفل وأقرباؤه وبقية "النباشين" للمكب بالعربة، من ثم يركنونها جانبًا، وحولهم تحوم الطيور المُفترسة التي تبحث عن الطعام، والشاحنات التي تنقل النفايات تباعًا من مُختلف مناطق جنوب القطاع.
ما إن تطل شاحنة تحمل نفايات، وتدخل المكب، يُسارع "حسين" حاملاً بيده اليُمنى قضيب حديد صغير، واليُسرى كيس بلاستيكي، يبدأ البحث والشاحنة تسكب النفايات، بالضرب على الأكياس الممتلئة بالنفايات التي تنبعث منها روائح كريهة، لاستخراج ما بداخلها، وتعبئته، ونقله للعربة.
وعلى الرغم من الروائح الكريهة المُنبعثة من المكب، والدخان السام المتطاير من إحراق أجزاء منه، وقسوة العمل، إلا أن "حسين" يُكابد ويُقحم جسده النحيف أكوام النفايات بحثًا عن بعض الأواني التي يستصلحها، وينقلها "للعربة" التي يعمل عليها.
يقول "حسين" لمراسل وكالة "صفا": "أجبرت على هذا العمل لتوفير مصروف شخصي لي ولأساعد أسرتي، خاصة أشقائي الأربعة الذين يدرسون في المدرسة، فوالدي مريض، ولا يقدر على العمل".
يتحدث "حسين" وقد بدت على وجهه المعتم علامات الإرهاق ويداه مُتسختان والسواد يكتسيهما كما ملابسه المهترئة، وحذاؤه الممزق: "أخرج يوميًا من السادسة صباحًا حتى الثانية عشرة ظهرًا، أعود مُحملا بكميات من الخردة، أبيعها حسب حجمها، تارة بعشرة شواقل، وتارة بخمسة عشر شيقلا، وفي أحسن الأحوال ثلاثين شيقلا".
ويتابع "الدابة التي أنقل عليها الخردة، ليست ملكي بل ملك عمي، وأدفع له أجرتها، غالبًا مقابل شراء طعام لها"؛ مُشيرًا إلى قسوة الظروف والواقع هي من دفعته منذ أكثر من نصف عقد من الزمان للعمل في نبش النفايات، ولم يجد بديلاً عنها".
تعتبر أسرة حسين من أفقر أسر بلدته، وزاد حالها سوءا بعد تدمير منزلها المكون من طابقين والبالغ مساحته "120مترًا" على يد الاحتلال؛ والذي تسبب الأخير أيضا بفقدان والدة حسين السمع بإحدى إذنيها، بعد إصابتها خلال عدوان 2008م، لتترك في نفسه أثرًا كبيرًا، وتدفعه للتفكير للعمل وتوفير المال ومحاولة مساعدتها في العلاج.
وتُشير إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء الخاصة بالقوى العاملة لعام 2015 بوجود (39,300) ألف عامل من الأطفال في الفئة العمرية (10-17 سنة) يعملون في الأراضي الفلسطينية، وبلغ عدد الأطفال الذين يعملون بالضفة الغربية (29,600ألف) , مقابل (9,700ألف) طفل عامل في قطاع غزة؛ ويعمل الأطفال في العديد من الورش والمصانع والمنشآت الاقتصادية المختلفة وأعمال أخرى.
ومن أهم التحديات التي تواجه محاربة ظاهرة عمالة الأطفال في فلسطين، "ارتفاع معدلات البطالة في فلسطين"؛ وبحسب مركز الإحصاء الفلسطيني ووفقا لمعايير منظمة العمل الدولية فإن نسبة البطالة في فلسطين قد بلغت 25.9% وبلغ عدد العاطلين عن العمل 336 ألف شخص في فلسطين خلال عام 2015، منهم نحو 143 ألفا في الضفة الغربية ونحو 193 ألفا في قطاع غزة.
