الأخبار

ذكرى اجتياح نابلس تفتح جراح رائدة فريتخ

06 نيسان / أبريل 2016. الساعة 09:44 بتوقيت القــدس.

تقارير » تقارير

الجريحة رائدة فريتخ (42 عامًا)
الجريحة رائدة فريتخ (42 عامًا)
تصغير الخط تكبير الخط

نابلس - خــاص صفا

يحل شهر أبريل من كل عام على رائدة فريتخ (42 عامًا) من مدينة نابلس، حاملا معه ذكريات مشبعة بالآلام والأحزان، والتي لم تفلح 14 سنة في محوها من مخيلتها.

على كرسي متحرك تتوجه فريتخ كل صباح إلى عملها بوزارة الصحة كأخصائية نفسية، بعد أن أقعدتها الإصابة خلال الاجتياح الإسرائيلي الكبير للمدينة عام 2002، فيما أطلق عليه الاحتلال حينها عملية "السور الواقي"، وتجد فريتخ في ذلك مخرجا من محبسها الذي فرض عليها.

تقول فريتخ لوكالة "صفا": "أتلهف لممارسة مهمتي كل يوم دون كلل أو ملل، أتنقل على كرسيي المتحرك كل يوم ذهاباً وإياباً بقلب مليء بالأمل".

في نهار الثالث من أبريل من ذلك العام، كانت نابلس أشبه بخلية نحل، فالأهالي منشغلون بأخذ احتياطاتهم والتزود بالمواد التموينية استعداداً لما هو قادم، خاصة بعد مشاهد الجرائم والفظاعات التي ارتكبها الاحتلال في مخيم جنين وبيت لحم ورام الله.

وفي الوقت الذي كانت الدبابات ترابط على تخوم المدينة بانتظار إشارة الانطلاق، هز دوي انفجار ضخم أركان المدينة، ليتبين أن الانفجار وقع بمنزل عائلة فريتخ على أطراف حارة الياسمينة، موقعا الشقيقتين زها ورشا فريتخ شهيدتين، فيما كان نصيب رائدة الإصابة التي غيرت مجرى حياتها.

تقول رائدة: "ما زال دوي القنابل يتراكض إلى مسمعي، وأصوات القصف تدوي وكأنني ما زلت داخل البيت".

وتضيف "أذكر أنني كنت أدرس للامتحانات النهائية بالجامعة، وفي نفس الوقت كنت أنا وعائلتي نتابع أحداث حصار المقاطعة برام الله واجتياح مخيم جنين".

تتوقف رائدة للحظات وهي تستذكر اللحظة التي غيرت حياتها وجعلتها أسيرة كرسي متحرك يلازمها أينما ذهبت، وتتابع: "فجأة سمعت صوت شيء يهوي على البيت، وإذا بجزء من البيت قد انهال فوقي، ثم لم أعد أذكر شيئا، إلا أنني أصبحت على سرير بمستشفى رفيديا".

بعد عشر ساعات من العمل المتواصل تمكنت طواقم الإنقاذ من إخراج رائدة من تحت الأنقاض، لكن الوقت لم يكن كافيا لانتشال جثتي عمتيها الشهيدتين، إذ سرعان ما حل الظلام، وبدأ الاجتياح، فبقيتا 15 يوما تحت الأنقاض.

توقف المشهد لدى رائدة عند لحظة انهيار المنزل فوق رؤوسهم، لتصحو بعد أربعة أيام متواصلة وتجد نفسها ممددة على سرير بمستشفى رفيديا.

وفيما بعد، علمت أن عمتيها استشهدتا في اللحظات الأولى، وأنها فقدت القدرة الحركية، وستمضي بقية حياتها على كرسي متحرك.

كانت إصابة رائدة صعبة، إذ تفتت عمودها الفقري، ونقلت إلى مستشفى متخصص في الأردن، في حالة نفسية لا تقل سوءا عن حالتها الصحية.

في الأردن، مكثت عشرة أشهر بمستشفى فرح الملكي، كانت فترة قاسية تصفها رائدة بأنها من أسوأ اللحظات التي مرت بها في حياتها، ففي كل يوم كانت تحلم بأن تعود لتمشي على قدميها.

وتضيف: "كنت أشعر حينها أنني فقدت كل شيء، فقدت صحتي وفردين من عائلتي".

ولم يكن الانتقال للعلاج بالأردن هيّنا، فقد تدّخل الاحتلال مرة أخرى ليمعن في زيادة آلامها بحرمانها من العلاج، ومضت مدة طويلة قبل أن تحصل على موافقة الاحتلال السماح لها بالسفر.

أبريل مرة أخرى

لم تتوقف ذكريات شهر أبريل المؤلمة عند تلك الحادثة، وكأن هذا الشهر يأبى إلا أن ينقش اسمه على صفحات قاتمة من حياة رائدة.

فبعد مرور سنة على تلك الحادثة، جاءت حادثة استشهاد شقيقها مازن في اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال في 15 أبريل 2003، لتضيف فصلاً جديدًا من فصول الألم.

أما بقية إخوتها فلم يسلم منهم أحد من الاعتقال، وفي يوم استشهاد مازن لم يكن أحد منهم حاضرًا، فلم يروه ولم يحضروا جنازته.

قبل الحادثة، كانت رائدة تدرس الأدب الإنجليزي، لكن التغيرات التي طرأت على حياتها دفعتها لتغير تخصصها، فدرست علم النفس، وتخرجت من جامعة النجاح، حاملة شهادة البكالوريوس في علم النفس التربوي.

مأساة بكل بيت

قصة رائدة فريتخ ليست سوى واحدة من بين مئات قصص المعاناة التي عاشها أهالي نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة خلال الاجتياح الكبير، ففي كل بيت ترك الاحتلال جروحًا غائرة لا يمحوها الزمن.

فمع ساعات ليل الثالث من أبريل، زحفت أكثر من 450 دبابة ومجنزرة تحمل 5 آلاف جندي من عدة جهات إلى وسط المدينة، وبدأت معها معركة شرسة استمرت 22 يوما، وانتهت بارتقاء نحو 90 شهيدا بينهم عدد من قادة أجنحة المقاومة، و300 جريح، فضلا عن مئات المعتقلين.

ويشير المحامي وليد دويات مؤلف كتاب "نيسان الأسود.. حقائق مجزرة نابلس" إلى أنه بانتهاء الاجتياح، بدأت تظهر ملامح وحجم الجريمة الإسرائيلية، خاصة داخل البلدة القديمة.

كانت واحدة من أبشع الجرائم، هي تلك التي ذهبت ضحيتها عائلة الشعبي المكونة من ثمانية أفراد أكبرهم شيخ (85 عامًا)، وأصغرهم جَنين في شهره السابع.

ومع تزايد أعداد الشهداء داخل المستشفى الميداني، وارتفاع درجات الحرارة، لم يجد الأهالي بداً من دفنهم في قبور مؤقتة داخل بستان قريب.

واستهدف الاحتلال في عدوانه المئات من المنازل والمساجد والمدارس والمصابن والمحلات التجارية والأسواق، سواء بقصفها، أو باستخدام الجرافات.

كما عمدت الآليات العسكرية إلى تدمير البنية التحتية، ومنع الاحتلال التجول بشكل كامل، ولم يرفعه إلا لساعات معدودة.

انتهى اجتياح أبريل 2002، وتلته اجتياحات عديدة للمدينة وبلدتها القديمة، لكن ذلك الاجتياح سيظل علامة فارقة في تاريخ المدينة لأجيال عديدة عاصرت تلك الفترة وذاقت مرارتها وحسرتها.

#نابلس #مقاومة

غ ك/أ ح/ط ع

الموضوع الســـابق

بيوم الطفل.. ملاك وُلدت يتيمة وعرفات نسي طفولته

الموضوع التـــالي

بعد "خان العمدان".. انتزاع وقف "التكية" بصفد من الاحتلال

جاري تحميل الصفحة الرئيسة …
عاجل