تمثل الدقائق المعدودة التي يقضيها أهالي الأسرى خلال زيارة أبنائهم لحظات سعادة يقتنصونها وسط سيل من المعاناة المتواصلة، لكن هذا لم يكن حال الزيارة الوحيدة التي استطاعت منى أبو بكر تحصيلها لزيارة زوجها الأسير بسام السايح، والذي يعاني من وضع صحي خطير يهدد حياته.
وشهدت قاعة الزيارة في سجن مجدو الأربعاء الماضي مشهدًا دراميا حقيقيا، شهده وتأثر به كل من تواجد من الأسرى وذويهم، أما بطلاه فهما الأسير بسام وزوجته منى، وأسير آخر آثر أن يضحي بلقاء زوجته ليمضي وقت الزيارة وسيطا بينهما.
وتقول منى لوكالة "صفا" أن زوجها دخل لقاعة الزيارة بمساعدة أسير آخر، والذي لم يفارقه طوال الوقت.
وتضيف "خلال الزيارة لم يكن بسام قادرا على الكلام، وبالكاد كان يهمس همسا، وصوته كان مبحوحا".
ويعاني الأسير السايح (43 عاما) من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة، منذ سنوات من سرطان العظام وسرطان الدم، بالإضافة إلى أمراض ومشاكل صحية أخرى، منها قصور حاد في عضلة القلب، والتي تراجعت قوتها إلى 18% فقط، وكذلك التهاب رئوي حاد، كما بينت زوجته.
لقاء من خلف جدار
ورغم صعوبة وضعه الصحي وعدم تشكيله أي خطورة على أمن الاحتلال، لم يُسمح للأسير السايح بلقاء بزوجته مباشرة، بل من خلف الجدار الزجاجي وعبر الهاتف، كما هو حال بقية الأسرى.
وتقول زوجته: "طلبت الالتقاء مباشرة مع بسام حتى أفهم ما يريد قوله، وبعد احتجاج باقي الأسرى، خاصة وأن بسام كان قد حصل على موافقة من الإدارة على لقاء مباشر، سمح لي بلقائه في الدقائق الخمس الأخيرة".
وتضيف "احضروا لبسام قلما وورقة ليكتب ما يريد قوله لي، لكن يده كانت ترتجف ووجهه يتصبب عرقا بسبب ضعف قلبه، وتولى الأسير المرافق نقل ما يريد بسام قوله لي عبر سماعة الهاتف من خلف الزجاج".
واعتقل السايح في الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول 2015، خلال توجهه إلى محكمة سالم العسكرية قرب جنين لحضور جلسة محاكمة زوجته التي كانت معتقلة في حينه.
ونُقل فور اعتقاله للتحقيق في مركز "بتاح تكفا"، وخضع لتحقيقٍ قاسٍ، جسدياً ونفسياً، دون مراعاة لحالته الصحية، مما أدى لتفاقم وضعه الصحي، كما أصيب بفقدان الوعي عدة مرات خلال التحقيق.
وبسبب كونها أسيرة محررة، لم تستطع زوجة الأسير السايح استصدار تصريح لزيارته منذ اعتقاله قبل نحو خمسة أشهر، ومؤخرا أصدرت لها مخابرات الاحتلال تصريح زيارة لمرة واحدة، ولا تدري متى سيسمح لها بزيارته مرة أخرى.
وتقول: "ذهبت لأرفع من معنوياته كما كنت أفعل قبل اعتقالنا، لكنني لم أستطع تحمل المشهد، وانفجرت بالبكاء، وكذلك فعل الأسرى، فقد كان مشهده يبكي الحجر".
أسوأ مما تخيلت
وتضيف منى "قبل أسبوع زارته المحامية، وأبلغتني بصعوبة وضعه الصحي، لكني لم أتخيل أني سأراه بهذا الشكل"، مشيرة إلى أن وضعه لم يكن في أي يوم مضى أسوأ مما هو عليه الآن.
ويتهم الاحتلال الأسير السايح بالضلوع في عملية إطلاق النار التي وقعت بالقرب من مستوطنة "ايتمار" شرق مدينة نابلس، مطلع شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2015 والتي أسفرت عن مقتل مستوطن وزوجته.
واقتحمت قوات الاحتلال منزله في نابلس عدة مرات بعد اعتقاله، آخرها قبل نحو شهر، وسلمت عائلته قراراً بهدمه.
إهمال طبي
وتعبر زوجته عن قلقها البالغ على حياته، وتشير إلى أنه لا يتناول دواء "الكورتيزون" رغم حاجته الشديدة له بسبب التهاب الرئتين.
وتوضح أن عيادة سجن مجدو ترفض إعطاءه "الكورتيزون" بحجة عدم وجود طبيب مختص، وقبل مدة نقل إلى مستشفى سجن الرملة، لكنهم لم يعرضوه على طبيب مختص.
وذكرت أن زوجها طلب منها إحضار التقارير الطبية التي تثبت حاجته للكورتيزون، ليتمكن من إقناع الطبيب في عيادة السجن بضرورة تناوله لهذا الدواء.
وحسب ما تمكنت زوجته من معرفته خلال الزيارة، فإن زوجها يتلقى العلاج الكيماوي لمرض السرطان، كما أنه يتناول دواء للقلب لم تعرف ماهيته، لكنها لا تعتبر ذلك علاجا، بل إهمالا طبيا متعمدا يمارس بحق زوجها.
وتضيف: "الأطباء قرروا أنه بحاجة ماسة لعملية قسطرة للقلب بسبب ضعف صماماته، وزراعة بطارية لتنظيم دقاته، لكني لا أعرف لماذا لم يجروها حتى الآن".
والأسير السايح هو شقيق الأسير "محمد أمجد" السايح الذي اعتقل عام 2002 بعد إصابته بجراح خطيرة خلال اشتباك مسلح بين مجموعة من كتائب القسام وقوات الاحتلال قرب نابلس، ويقضي حكما بالسجن 20 عاما.
وتناشد "أم خالد" والدة الأسير السايح، المؤسسات الحقوقية والمسؤولين في السلطة الفلسطينية، بذل أقصى الجهود من أجل الإفراج عن زوجها، ليتمكن من تلقي العلاج المناسب.
وتقول لوكالة "صفا": "كل يوم يمر على بسام داخل الأسر يزداد وضعه سوءا، لذا نريد تحركاً عاجلاً من الجميع، حتى لا يخرج لنا بسام شهيداً، أو بعد أن يصل لوضع ميؤوس منه".
