لم يكن أذان المغرب في هذه الأيام إيذانًا ببدء إفطار الطفلة سرّاء أحمد فقط كما جرت العادة في شهر رمضان المبارك، ولكنه كان يعيد لها ذكريات أيام أليمة لا تتمالك عند استحضارها دموعها، فتنهمك في البكاء.
"هذا المكان لبابا فريد لما يرجع" بهذه الكلمات تحدثت الطفلة أحمد (7 سنوات) لمراسل وكالة "صفا" بينما كانت تُهم بتناول طعام الإفطار، وقد تركت مسافة لجلوس شخص واحد بينها وبين إخوتها.
الطفلة سرّاء التي كانت في حضن والدها عند استشهاده خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة صيف العام الماضي لا زالت تستذكر تشجيعه لها على الصوم، لكنها تفتقد من يشجعها ويحفزها هذا العام.
وتضيف بكلماتها البريئة "كنا معتادين على الإفطار برمضان بوجود أبي حبيبي، لكن الصاروخ الإسرائيلي قضى على هذا الشيء الجميل إلى الأبد".
وكان فريد والد الطفلة سرّاء استشهد وشقيقه أحمد عندما استهدفت الطائرات الإسرائيلية منزلهم في مخيم النصيرات وسط القطاع إبان العدوان الأخير، وأصيب نحو 20 شخصًا من أسرتي الشقيقين بالقصف.
![]()
وأصيبت حينها الطفلة الصغيرة بإصابات بالغة، وجرى تحويلها للعلاج خارج القطاع، وتماثلت للشفاء.
وتبدو الطفلة في كثير من الأحيان شاردة الذهن، مشتتة التفكير، لا تفكر في اللهو أو الألعاب- كما الأطفال في سنها- بل تستذكر لحظات سعيدة كانت فيها إلى جانب والدها على مائدة الإفطار.
ويعتبر الشهر الفضيل هذا العام من أقسى الأشهر على عوائل الشهداء، نتيجة صعوبة تحمل أعباء غياب رب الأسرة، واستحالة أن يسُد مكانه أي شخص آخر.
الجرح لن يندمل
ولا زال إبراهيم أحمد، وهو ينتظر طعام الإفطار، يستذكر لحظة انتشال جثمان والده أحمد (عم الطفلة سرّاء) أشلاءً من تحت ركام منزل عمه، الذي لجأت إليه عائلته بعد استهداف منزل مجاور لمنزلهم.
ويقول لوكالة "صفا": "لا تكاد تمر لحظة واحدة لا أتذكر اليوم التي استشهد فيه أبي، وخاصةً حين تجلس عائلتنا على مائدة الإفطار في رمضان، وعند الذهاب لصلاة القيام الذي كنا معتادين عليها".
ولم يعد حلول شهر رمضان المبارك مبهجًا- كما جرت العادة- على العائلة المكونة من ثمانية أفراد، إذ أصبح كـ"من يرشّ الملح على الجرح"، ويذكر العائلة بأيام "سوداء" عاشتها، وكانت كفيلة بتغيير حياتها بشكل جذري.
"هنا كان يجلس. وهنا كنا نأكل. كان يحبنا جميعًا. يتابعنا. يشجعنا على الصيام والصلاة في المسجد" يضيف إبراهيم.
ويمر شهر رمضان هذا العام لأول مرة بعد العدوان الإسرائيلي على القطاع، والذي راح ضحيته نحو 2200 شهيدًا، نحو ربعهم من الأطفال، وفقد آلاف آخرين منهم أحد الوالدين أو كلاهما، مما يجعلهم يعيشون حالةً من الحرمان.
ولم يتمكن الفلسطينيون في القطاع من أداء شعائر الشهر الفضيل العام الماضي، والشعور بأجوائه الإيمانية بسبب العدوان الإسرائيلي، وتعمده استهداف المساجد أوقات الصلوات، وهو ما تسبب باستشهاد عدد كبير منهم.
