web site counter

طاحونة ومفتاح "حمدة" بليا.. وأمل عودتها يتجدّد

الخليل-حسن الرجوب - صفا

مع كلّ دورة للطّاحونة اليدوية بين أيدي اللاجئة الفلسطينية حمدة البايض، تعود ذاكرتها لقرية "الفالوجة"، التي رحلت عنها عام 1948 تحت ضربات قنابل الطائرات، وردم المنازل ورائحة الموت المنتشرة في كلّ مكان.

ولم تعد يديّ الثمانينية قوّية كما كانت تدير بها طاحونتها في باحة منزلها قبل 67 سنة، بل تبدو على أيديها حالة الوهن، ويكتسي وجهها بتقاسيم الانتظار الطويلة لسنوات تنطوي وهي تحلم بالعودة إلى قريتها.

ورغم أن أعمدة منزلها تناثرت من شدة قصف العصابات الصهيونية له إلا أنها لم تفرّط بمفتاحه الذي بليَ وأكله صدأ الانتظار، لكنه يبقى "من رائحة البلاد".

الفرار بالحياة

ولا يغيب عن ذاكرة اللاجئة ستّة أشهر من طحن حبوب القمح وخبزها للجنود المصريين الذين عسكروا في قريتها بهدف حمايتهم، لكن دون أن يقدّموا لها ولسكان قريتها شيئا أمام قنابل الطائرات التي دمّرت منازل القرية وأزهقت أرواح الكثيرين، قبل أن يضطّر البقية للفرار بحياتهم، تاركين وراءهم كلّ شيء.

وتقول حمدة لوكالة "صفا" إن "الطائرات أمطرت بلدتنا بالقنابل، وانفجرت قنبلة بجوار البيت الذي كنت أتواجد به، وتمكنت من الفرار من المنزل قبل انهياره"، وهو الأمر الذي دفعها للرحيل مع قوافل السّكان صوب بلدة الدوايمة القريبة، واضطرت لسلوك طرق جبلية بعيدة للابتعاد عن معسكر لليهود بين الفالوجة والدوايمة.

ومن شدّة خوف وهلع حمدة، تضيف "تركت عائلتي وزوجي ومشيت على قدميّ مسافات طويلة رغم حملي، والتجأت إلى منزل شقيق زوجي بالدوايمة، قبل أن يتسبب التّعب والإرهاق والمشي الطويل بإحهاضي لطفلي المكتمل والذي شارفت على انجابه، وبعدها تمكن زوجي وأشقاؤه من اللحاق بي".

لكنّ لجوء حمدة وبقية المشردين للدوايمة لم يتعدّ الليلة اليتيمة، قبل أن تلاحقهم العصابات الصهيونية، وتقتل الكثيرين، ويفرّ كثيرون بحياتهم، واختارت الهروب باتّجاه قرى دورا الغربية، قبل أن تلتجئ إلى مخيّم الفوار، حيث ما تزال تعيش في هذا المكان بانتظار يوم العودة.

وتلفت حمدة إلى عدم تمكّن الجيوش العربية من حماية السّكان الفلسطينيين، وعدم امتلاك السّكان أصلا سوى أسلحة خفيفة لا تضاهي الأسلحة المتطورة التي كانت تملكها العصابات الصهيونية.

وتبين أنّ بريطانيا مهّدت الطريق أمام اليهود لقتل الفلسطينيين بدم بارد، بعدما منعتهم من اقتناء السّلاح، وكانت تسجن كلّ من يحمل سكّينا لمدّة ستّة شهور، الأمر الذي جعل السّكان حينها أمام مخرج واحد وهو الهروب من الموت.

لا تنازل

أمّا عن العودة، فتعتبرها حقّا لا يمكن التنازل عنه، وتحلم أن تعود إلى أرضها ولو ليوم واحد، وأن تتوفى على ترابها، وتكون قد حقّقت حلمها.

وتقول: "القوة يجب أن تواجه بالقوة، لأنّ اليهود لم يأتوا ليحاربونا ويرحلوا، بل جاؤوا لذبح شعبنا والإقامة مكانه، وهو الأمر الذي يتطلّب قوّة كبيرة لصدهم عن أرضنا وتحريرها".

وتضيف "أبنائي وأحفادي أمسوا أكثر تجذّرا بأرضهم ومصمّمون على العودة وتعمير بيوتهم بعيدا عن حياة المخيّم.

وتجلس حمدة بين العديد من المقتنيات التراثية وحفنات التراب، وبعض الزوايا الحديدية التي أحضرها أبناؤها من أرضهم بالفالوجة خلسة عن أعين الاحتلال، على أمل أن تبقى ذكرى لحمدة وأبنائها وأحفادها لحين أن تتيسّر الظروف للعودة.

/ تعليق عبر الفيس بوك