إزالة الصورة من الطباعة

الماّسي والمناسبات تمُرّ عِجافًا على المقطوعة رواتبهم بغزة

تصطدم عائلة إبراهيم الددا نهاية وبداية كل شهر بباب جديد يُغلق أمامهم منذ أن أقدمت السلطة الفلسطينية على قطع راتب والدهم الذي يُعيل تسعة من الأبناء بينهم طلاب جامعيين.

الددا (59 عامًا) من خان يونس جنوب قطاع غزة ومنذ اللحظة الأولى لانقطاع راتبه قبل نحو ثلاثة أشهر، لم يترك بابًا إلا وطرقه لمحاولة استعادته، لكن "دون جدوى".

وقطعت السلطة على مدار ثلاثة أشهر ماضية على التوالي رواتب مئات الموظفين بينهم 1088 موظفًا يعملون في الصحة والتعليم ونحو 1100 جريح و400 أسير و1668 شهيدًا منذ أكثر من شهرين جميعهم في قطاع غزة، دون أسباب معلنة.

وللسنة الثانية تواليًا، تفرض السلطة الفلسطينية في رام الله عقوبات على غزة تمثلت في خصم 40-50% من رواتب موظفيها، كذلك التقاعد الإجباري لأكثر من 30 ألف موظف، إضافة لتقليص الأدوية الواردة لغزة من رام الله، وتقليص حصة غزة من تحويلات علاج المرضى في الخارج.

"رغم أن الراتب كان قليلاً إلا أنه كان ساتر البيت". تقول "ناهد" ابنة الددا وهي تشكو سوء أوضاعهم عقب انقطاع راتب والدها دون أي سبب، ورغم أن والدها كما قالت: "لا ينتمي لأي عمل سياسي".

وأضافت في حديثها لوكالة "صفا": "هذه الأيام بالغة الصعوبة، ولم نترك أحدًا إلا ولجأنا إليه لنستعيد الراتب، حتى أن أحدًا لم يفدنا بأي سبب لقطعه".

وأضافت بحرقة: "نحن واثقون أن ذلك الإجراء ظلم لوالدي لأننا نعرفه جيدًا وهو لا علاقة له بأي جهة"، في إشارة منها إلى المبررات التي ساقتها بعض الجهات في رام الله عقب قطع رواتب المئات من موظفي السلطة وأهالي الشهداء والجرحى في قطاع غزة مؤخرًا.

وكان الددا قبل قطع راتبه يتلقى نحو نصف مرتبه طوال أشهر العام المنصرم كحال باقي الموظفين الذين مسّتهم الإجراءات السلطة العقابية على غزة.

وقبل نحو شهرين، فوجئ آلاف من الموظفين وذوي الشهداء والجرحى والأسرى في غزة بقطع السلطة رواتبهم دون سابق إنذار أو مبرر، الأمر الذي استهجنته الفصائل والفعاليات الشعبية.

قطع طريق الدراسة

وتصف ابنته حال أسرتها بالقول: "إخوتي متفوقين في الجامعة وراتب والدي كان يسهل أمورهم في جامعاتهم رغم الوضع الصعب، ولا يمكن لهم أن ترك الدراسة؛ فأحدهم يدرس الحقوق والآخر علوم الشريعة واجتازا أكثر من نصف سنوات دراستهم".

اليوم-وكما سردت الددا-فإن "الأعباء تزاحمت، وأيام قليلة تفصلنا عن الشهر الفضيل، عدا عن مسئوليات كبيرة لا تنتهي على صعيد العائلة، لذا فإننا لا نطالب إلا باستعادة مرتّب والدي باعتباره حقنا وحقه حتى نقدر نعيش مثل الناس".

وتفرض السلطة منذ نحو سنتين عقوبات على غزة أدت لواقع اقتصادي غاية في الصعوبة والتعقيد، مما أثر على كافة مناحي الحياة.

المواطنة فاطمة أبو جزر انقطع راتب ابنها الشهيد بعد 14 سنة من الاستمرارية، وهي مريضة وزوجها مسن ومريض أيضًا، ولم يكن أي أحد أو جهة لتعينها منذ استشهاد ابنها سوى راتبه، واليوم تصارع الحياة والمرض مع زوجها عقب تفاجئها مؤخرًا بقطع مرتب شهيدها.

تقول أبو جزر: "اليوم ما في راتب، ابني مدفون 14 سنة.. واليوم بعد كبرتنا أنا وزوجي قطعوا رزقنا دون ذنب، لم يحترم سنّي ودم ابني الشهيد، وأصبحنا دون معيل".

أما عن حياتها، فتقول: "كل شيء متوقف، والأرزاق على الله فقط، لكن أقول لأبو مازن أين هي حقوق ورواتب الجرحى والشهداء التي تتعهد كل يوم بأن تستمر ولا يمسها أحد؟".

جريح ومعيل لأسرتيْن

عدد من جرحى قطاع غزة الذين قطعت السلطة رواتبهم مؤخرًا شرعوا بإضراب مفتوح عن الطعام منذ بداية مارس المنصرم احتجاجًا على هذا الإجراء المتخذ ضدهم.

فالجريح منصور القرم الذي يعاني بترًا في قدمه منذ ثماني سنوات يُعيل طفليْن وله ستة من الإخوة الصغار ووالدته المريضة انقطع راتبه هو الآخر.

ويصِف القرم معاناته: "من ثلاثة شهور انقطع راتبي وذهبت لأكثر من مسؤول لتعيد لي راتبي لكن كلهم قالوا لي: ما بنقدر نعملك شيء".

وأضاف "راتبي كان يُعيّشنا كلنا، وكنت أعتمد على الراتب في علاجي وعملياتي، لكن حتى علاجي توقف مع انقطاع الراتب، وحتى عملياتي التي أحتاجها أجّلتها بعد قطع راتبي منذ شهرين".

وتزداد معاناة هذا الجريح كل شهر مع توالي المسئوليات والمناسبات خاصة في توفير العلاجات اللازمة والمدارس، ويقول "معاناتي تزداد يوم بعد يوم ولا أحد يسمع ندائي".

ورغم انقطاع الأمل إلا أن القرم ناشد السلطة والرئيس محمود عباس بإعادة راتبه بأسرع وقت حتى "تعود لي الحياة".